يحمل الموقف الأميركي من العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان الكثير من الدلالات التي تستحق من الحكومات العربية ومعها الشعوب التوجس والحذر من جهة و الاستعداد والتحفز من الجهة الثانية.

لقد رفضت الولايات المتحدة كل الجهود التي بذلت للضغط على حليفتها إسرائيل لوقف أعمالها العدوانية، ثم تجاوزت كل الحدود حين تعاملت بدم بارد مع الجريمة الإسرائيلية الأخيرة في قانا، علما بأنها سبق و قدمت لتل أبيب الأسلحة التي طلبتها من أجل تحقيق كفاءة أكبر لضرباتها على المدن اللبنانية.

والذي يلفت النظر أن وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، التي كانت وما تزال من أشد الداعمين للعملية الإسرائيلية المجنونة ضد القرى اللبنانية، لم يهتز لها جفن وهي تشاهد نهر الدماء اللبناني.

كما أنها لم تحاول التدخل لدى أصدقائها في إسرائيل لوقف إطلاق النار رغم النداءات المتكررة الصادرة من الأمم المتحدة والدول العربية والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، لإعطاء الأولوية لهذا الوقف باعتباره الخطوة الرئيسة لإنجاح أي تسوية مطروحة و لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البشر والحجر في لبنان.

و الواضح من قراءة موقف واشنطن أنها تريد أن ترسخ صورة مختلفة للصراع في الشرق الأوسط وفقا لمعاييرها لا المعايير الدولية والقانونية والأخلاقية. هذه الصورة تقوم على تقسيم المنطقة إلى فريقين، أولهما يصارع لإشاعة العنف وتبديد السلام.

وفي إطاره يمكن إدراج كل من يختلف مع سياسة واشنطن، أو يقاوم احتلال إسرائيل وممارساتها أما الفريق الآخر فيستخدم العنف من أجل القضاء على أعداء السلام والحرية، حتى لو كانت نتيجة أفعال هذا الفريق مآسي إنسانية كتلك الحاصلة في لبنان، و الأراضي الفلسطينية والعراق.

وبطبيعة الحال، سيؤدي الترويج لهذه الصورة إلى تكبد العرب خسائر فادحة وتعريض أمنهم القومي لأخطار شديدة، منها امتلاك إسرائيل ضوءا أخضر مفتوحا لضرب من تشاء وقتما تشاء بزعم مكافحة الإرهاب، ومنها أيضا تهميش القرارات الدولية المتعلقة بالتسوية العادلة في الشرق الأوسط، في مقابل التمكين للرؤية الصهيونية التوسعية، علما بأن هذه الصورة قابلة للتكسير بشرط واحد هو امتلاك العرب لاستراتيجية مضادة قادرة على حماية الصورة الحقيقية للأمور.. صورة الحق الذي يواجه الباطل.