أفشلت الولايات المتحدة الأميركية «مؤتمر روما» برفضها وقف إطلاق النار في لبنان. أميركا منذ بدء الحرب قبل أسبوعين بدت أكثر حماسا للحرب من إسرائيل نفسها.
ورغم ان الدول الأوروبية والثمانية الكبار ومجلس الأمن وبعض الدول العربية كانوا اقرب للموقف الأميركي في التبرير للحرب وإلقاء اللوم على حزب الله البادئ باختطاف الجنديين، إلا ان اتجاهات رياح الحرب التدميرية والإبادة الشاملة قد أقنعت الجميع بما في ذلك حلفاء أميركا الأقرب، ان الحرب لا علاقة لها بإحلال السلام، ومن باب أولى إطلاق سراح الأسيرين. أو ضمان امن إسرائيل.
هدف أميركا قبل إسرائيل إعادة صياغة المنطقة وأنموذج العراق هو المثال لنشر الإصلاح والديمقراطية في الشرق الأوسط الجديد. ربما كانت الدولة المضيفة ايطاليا أكثر الدول استشعارا بخطورة ما يجري وفهما لطبيعة المطالب الأميركية «شبه المستحيلة». صياغة الشرق الأوسط الجديد على أنقاض لبنان وفلسطين والعراق. وربما سوريا وإيران.
تظن أميركا كأي إمبراطورية كونية قبلها أنها قادرة على إعادة صياغة الكون والطبيعة والمجتمع. وتبرز هنا رغبتها الجامحة في إعادة صياغة النظام العالمي.
و تهميش المؤسسات الدولية ومنها منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى الدولية الكبرى. أعطت أميركا للحليف الإسرائيلي الضوء الأخضر في غزو لبنان فيما يشبه حرب إبادة، واعتقال نصف الحكومة الفلسطينية وثلث مجلسها النيابي المنتخبين انتخابات حرة ومباشرة. والقيام بحرب استعمارية وعنصرية بامتياز مسنودة بالتأييد والحماية.
ان الحصار وحرب الإبادة في العراق وفلسطين ولبنان يؤكدان عنجهية أميركا وعدم قدرتها على فهم طبيعة تجارب الأمم والشعوب عبر التاريخ. فليس باستطاعة القوة ـ أي قوة ـ ان تخضع إرادة الآخرين والى الأبد.
اعتادت إسرائيل وأميركا على مواجهة جيوش أنظمة عربية فاقدة أو منقوصة الشرعية سرعان ما تتهاوى تحت ضربات الماكينة الأميركية والإسرائيلية الأكثر فتكا وحداثة. وغالبا ما تنهي معاركها في بضعة أيام وربما ساعات. وتخوض معاركها خارج حدودها. أما معركة إسرائيل الحالية مع حزب الله فإنها مختلفة من الألف إلى الياء، ولم تستطع القوة الجبارة احتلال ثلاثة كيلو مترات بعد مواجهة شاملة لأكثر من أسبوعين. وتواجه إسرائيل حربا غير متكافئة وان تفوقت فيها إلا أنها تجد نفسها اعجز من حسمها لاعتمادها حرب العصابات.
التفوق الأميركي في العراق وأفغانستان لم يحسم المعركة. ويبدو حسمها شبه مستحيل في المدى المنظور! وهنا تطرح أسئلة ليست بالبريئة . لماذا تدفع أميركا بحليفها الأساسي «إسرائيل» في استمرار تصعيد الحرب مع إدراكها بصعوبة الحسم وان التدمير والتقتيل لن يحقق لهما ما يريدان وقد يدفعان بأعداد متزايدة في الشرق الأوسط ومناطق مختلفة من العالم إلى حلبة العنف والمقاومة وحتى الإرهاب؟ فإرهاب الدولة العظمى خلاق عظيم وصانع لإرهاب أكثر تفلتا واتساعا. وهل تقوم الحرب في لبنان بالتغطية على جرائم وهزيمة الجيش الأميركي في العراق؟
ثم لماذا تدير أميركا ظهرها للرأي العام الدولي وبالأخص القوى التي ظهرت متعاطفة بصورة فاجعة مع العدوان الإسرائيلي أو على الأقل متفهمة لمقولة «الدفاع عن النفس»؟
بل ان أميركا، وحربها ضد العراق وأفغانستان تدخل عامها الثالث والرابع، لم تستطع حسم المواجهة مع المقاومة العراقية الممزقة أو أشباح طالبان، ومع أميركا المتفوقة عدة آلاف من دول متعددة! فهل تراهن أميركا على قدرة إسرائيل على حسم المعركة في بضعة أيام حقا أم أنها تريد توسيع دائرة الحرب لتجر إليها أكثر من طرف؟
و لنتساءل أيضا لماذا تبقى جبهة القتال في العراق غارقة في الفتنة الطائفية سنة شيعة؟ ولماذا لا تنفتح جبهة المواجهة الشاملة في العراق ضد الاحتلال خصوصا في الجنوب؟
إن الحرب المفتوحة في لبنان تفتح أبواب احتمالات الجحيم على أكثر من صعيد، وفي أكثر من منطقة ومكان!