جاءت محاولة حزب الله الناجحة للهجوم على موقع لقوات الاحتلال الإسرائيلية، وأسر اثنين من جنود العدو الصهيوني لتثير أزمة إقليمية ودولية كبيرة، وتتسبب في خلط بعض الأوراق السياسية، وفرز بعضها الآخر. ومما زاد من تعقيد الأزمة أن إسرائيل قامت بالرد على أسر الجنديين بشن حرب واسعة على لبنان بهدف تدمير بنيته التحتية والقضاء على حزب الله بالقوة.
ولقد جاء العدوان الإسرائيلي على لبنان، بينما كانت قوات الاحتلال الصهيوني تقوم بعملية اجتياح للأراضي الفلسطينية تخللها قتل العشرات من الفلسطينيين وهدم مئات البيوت، والقيام بعملية تدمير منهجية وهمجية للبنية التحتية الفلسطينية. ولقد أدى هذا الوضع المتفجر إلى دخول القوى العربية والدولية المعنية بالأزمة في حالة شديدة من الإرباك والارتباك والتخبط.
كانت شعبية حزب الله وشرعية المقاومة المسلحة ضد قوى الاحتلال في لبنان وفلسطين قد وصلت ذروتها في منتصف عام 2000 حين أجبرت المقاومة اللبنانية القوات الإسرائيلية على الانسحاب من لبنان دون شروط. إلا أن السنوات التالية شهدت حدوث نشاطات دولية واسعة وتحولات نوعية في المواقف العربية استهدفت نزع الشرعية عن منظمات المقاومة المسلحة عامة، والتشكيك في قدرات تلك القوى على تحقيق الأهداف التي تسعى إليها خاصة، والطعن أحيانا في أمانة ووطنية بعضها.
وفي ضوء عمليات القتل المروعة التي قامت بها منظمة القاعدة في أميركا، وما قام به أنصار الزرقاوي في العراق والأردن، والإسلاميون المتطرفون في السعودية ومصر والمغرب من أعمال إجرامية، أصبح من السهل على بعض أنظمة الحكم العربية القيام بحملات إعلامية موجهة لإضعاف الدعم الشعبي لمنظمات المقاومة المسلحة، والتشكيك في واقعية ثقافة المقاومة.
لكن فشل تلك الأنظمة العربية في تقديم البديل للمقاومة وحماية الشعب الفلسطيني من آلية القتل والتدمير الإسرائيلية، وعجزها عن إحراز أي تقدم ملموس على طريق التسوية السلمية، جعل من الصعب نجاح حملات الإعلام الرسمية. ولقد كان من أبرز معالم الفشل العربي الرسمي في هذا المجال، فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، واضطرار حركة فتح إلى التنازل عن السلطة لصالح حركة مصنفة كمنظمة «إرهابية».
وفور إعلان نتائج الانتخابات، بدأت المؤامرات الدولية والتواطؤ العربي يصب في قناة محاربة حماس والعمل على إفشال حكومتها، وذلك من خلال عزلها سياسيا ومحاصرتها ماليا واقتصاديا. وحين فشلت جهود إسقاط حكومة حماس بالطرق السلمية، لجأت إسرائيل إلى شن حرب شرسة على قيادات حماس وكوادرها وفرض عقاب جماعي على الشعب الفلسطيني، وذلك بهدف تصفية حماس بالقوة.
ولما كان فشل حماس في حال حدوثه قد يعطي الانطباع بأن من غير الممكن نجاح منظمات المقاومة في تحقيق أهدافها، حتى وإن وصلت إلى الحكم بطرق شرعية، فإن حزب الله وجد على ما يبدو الفرصة مواتية للقيام بالعملية العسكرية التي انتهت بأسر جنديين إسرائيليين لتأكيد الثقة بالمقاومة المسلحة وتعزيز التمسك بثقافة المقاومة.
إن ما يُقال عن اعتماد حزب الله على دعم إيران في الحصول على حاجته من السلاح، وتعاونه مع سوريا فيما يتعلق بالصراع السياسي الدائر على الساحة اللبنانية أعطى الانطباع لدى بعض القوى اللبنانية والعربية والدولية بأن عملية حزب الله جاءت بتأييد من إيران ودعم من سوريا، وخدمة لأهداف غير لبنانية. أما إسرائيل التي كانت تخوض حربا تدميرية ضد حماس والشعب الفلسطيني، فيبدو أنها وجدت الفرصة مواتية لضرب لبنان والعمل على تدمير بنيته التحتية وتصفية حزب الله بالقوة.
ولقد جاء العدوان الإسرائيلي بدعم لوجستي وسياسي أميركي، اشتمل على تقديم أسلحة دمار جديدة للعدو الصهيوني، مما كشف الموقف الأميركي المعادي، وساهم في إحراج وإضعاف أصدقاء أميركا من أنظمة عربية.
وفي ضوء مواقف بعض الدول العربية والأوروبية وأميركا من عمليات المقاومة الشعبية المسلحة، فإن غالبية تلك القوى قامت بتحميل حماس وحزب الله مسؤولية التصعيد في المواجهة مع إسرائيل.
وهذا أدى بدوره إلى كشف مواقف العديد من القوى العربية الرسمية التي ترتعد من مجرد التفكير في المواجهة مع إسرائيل، وتخشى تفشي فكر المقاومة الإسلامية المسلحة، ولا تقوى على رفض الأوامر الأميركية.
ولما كانت احتمالات نجاح حزب الله في تحقيق أهدافه تتجاوز بكثير احتمالات نجاح حماس في تحقيق جزء من أهدافها، فإن الحديث عما يجري في الأراضي الفلسطينية توقف لصالح ما يجري على الأراضي اللبنانية، وكأن السكوت عما تفعله إسرائيل في فلسطين أصبح ثمنا معقولا ومقبولا عربيا للحيلولة دون نجاح حزب الله في لبنان.
إن من الصعب التكهن بنتائج المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في المدى الطويل. لكنه من المؤكد أن تؤدي نتائج الصراع، بغض النظر عن طبيعتها، إلى إضعاف ثقة الشعوب العربية ببعض حكوماتها، وزيادة شكوكها في إمكانية تحرير الأراضي الفلسطينية بالطرق السلمية، وبالتالي تعميق الإحساس لديها باليأس والغضب الذي لا يمكن التحكم فيه في المستقبل.
أما بالنسبة لسوريا فإن من شبه المؤكد أن تشتد الضغوط السياسية والاقتصادية عليها، وتتصاعد محاولات عزلها، وذلك لأن أميركا لديها قناعة راسخة بأن النظام السوري الحالي غير قابل للإصلاح، وأنه يشكل عقبة أمام محاولات تحقيق الاستقرار والهيمنة الأميركية الإسرائيلية المشتركة على المنطقة العربية. أما الفلسطينيون، فإن من المتوقع أن يصبح وضعهم أكثر صعوبة، وأن يضطروا للدخول في صراع داخلي لتغيير حكومة حماس والقبول بالفتات الذي تعرضه إسرائيل عليهم.
وهذا من شأنه زيادة حدة التطرف في العالمين العربي والإسلامي عامة، وإعطاء دفعة قوية ومزيد من الشرعية للعمليات التي قد توصف بأنها «إرهابية»، وتعزيز مكاسب إيران على الساحات العربية والإسلامية، إذ أن من المتوقع أن تقود المواجهة المباشرة مع إسرائيل وغير المباشرة مع أميركا إلى خروج إيران من الأزمة كأهم قوة إقليمية.
إلا أن علينا أن لا نهمل احتمالا ضعيفا للغاية، وهو أن تقود المواجهات مع حزب الله، والخسائر المعنوية والأخلاقية والعسكرية والبشرية الإسرائيلية إلى إقناع حكومتها بألا حل للصراع مع العرب إلا من خلال عملية سياسية تتوخى العقلانية والاعتراف بإنسانية الآخر، وأن ينزل وحي جديد على ساكن البيت الأبيض يغير سلوكه الذي يتصف بالجهل والعنجهية ويستبدله بسلوك عقلاني يحمل لمسة من الواقعية والأخلاقية.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
Professorrabie@yahoo.com
