و أنا أقرأ عن الهند ونهضتها التي تثير إعجاب الجميع، أسمع صوت والدي الذي رحل منذ مدة يحدثني عن الهند مرتع صباه وبداية رؤيته للعالم الخارجي «يا ابنتي.. الهند كنز عظيم لا ينضب، كلما اغترفت منه الدر والجوهر كلما اكتشفت أعماقاً أخرى ليس لها قرار». كان رحمه الله مثل أبناء جيله من التجار الذين نشأوا في بدايات القرن الماضي، ومثلهم ارتحل في مقتبل عمره إلى الهند ليتعلم التجارة ويجيد لغتهم، وقبله كان جدي يتكلم ثلاث لغات هندية (الأوردو والهندي والكوجرات) بحكم اتصاله بالهند عن طريق التجارة.
انقطع جيلنا عن هذا البلد الرائع حتى أصبحت هناك فجوة تفصلنا عنهم بعد اكتشاف النفط واتجاه المنطقة نحو الغرب، واليوم هناك بداية تواصل مرة أخرى مع الهند التي تسير بسرعة صاروخية نحو العالمية وسيتم اعتبارها من الدول الكبرى التي ستؤثر على العالم أجمع. فخلال العقدين الماضيين وصل حجم الطبقة الوسطى إلى 250 مليونا أي أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عشرين سنة.
ويتخطى 1% من الفقراء الهنود حاجز الفقر سنوياً. كما انخفض حجم النمو السكاني من 2 ,2% إلى 7 ,1% مما سيؤثر حتماً على زيادة الدخل العام الذي وصل إلى 3051 دولار وهو رقم جيد مقارنة لما كانت عليه الهند قبل فترة قصيرة حيث لم يتعد 1178 دولاراً. وتعتبر الهند رابع دولة في العالم من حيث حجم الاقتصاد وربما تتفوق على اليابان قريباً في هذا الشأن.
لم يكن وراء نهوض الهند تصدير البضاعة الرخيصة الثمن إلى الغرب مثلما فعلت دول الشرق الأقصى والصين، بل اعتمدت على السوق المحلي أكثر من اعتمادها على التصدير إلى الخارج، وعلى الخدمات أكثر من التصنيع وعلى التكنولوجيا المتقدمة أكثر من العمالة غير الماهرة. وبالرغم من نموها السريع حالياً إلا أنها مرشحة لنمو أكثر سرعة في المستقبل إن استطاعت حل مشكلات اقتصادية تواجهها مثل الدين العام المرتفع وقوانين العمل الصارمة. كما ان القطاع العام لا يزال كبيراً وغير فعال، ومثله قطاع الزراعة الذي يحتاج إلى إصلاح جذري. ورغم ذلك فإن الإصلاحات الهامة، كما يذكر الخبراء، لم تأت بعد.
خلال المئة عام الماضية، أي قبل الاستقلال بحوالي أربعة عقود، واجهت الهند ركوداً اقتصادياً بدأ يتحسن تدريجياً بعد الاستقلال. وقد طورت الهند من قدراتها التنافسية منذ العام 1991 عندما بدأت في ثورة تطوير الاتصالات ومعها خفضت النسبة المئوية للادخار في البنوك، وطورت الموانئ والمطارات وفرضت شفافية في مجال بيع وشراء العقارات ويقدر عدد الشركات التي يبلغ رأسمالها أكثر من مليار دولار بمئة شركة، من ضمنها شركة تاتا المعروفة لدينا، ستتوسع خارج الهند وتصبح منافساً قوياً للشركات العالمية.
كما أسست مراكز للدراسات والبحوث في الهند، وهذا دليل على أن نهضة الهند هي أولاً وأخيراً تكمن في رأسمالها البشري وتطويرها للفرد. والميزة الهامة التي يختلف فيها الاقتصاد الهندي عن مثيله الصيني هي إطلاق العنان لرجال الأعمال والقطاع الخاص كي يأخذ دوراً قيادياً في مبادرتها الاقتصادية، بينما اعتمدت الصين على الدولة في تصريف منتجاتها.
وتذكر مجلة «شؤون خارجية» الذائعة الصيت والتي خصصت معظم مقالاتها في عددها الأخير حول الهند، أن نمو الهند الاقتصادي السريع يؤخذ عليه اقتصاره على العمالة الماهرة والمنظمة بينما بقيت نسبة من كبيرة من المواطنين، خاصة في الريف، خارج نطاق التنمية. وهذا عكس ما فعلته الصين حين أشركت فئة الفلاحين الكبيرة في برامج تنموية متعددة وذلك بايجاد مشاريع صغيرة داخل الريف كي تستفيد الفئة الغالبة من الصينيين في التنمية.
ويتوقع المراقبون أن صناعة التكنولوجيا المتقدمة ستتوسع في الهند خلال عقد من الزمن بحيث يضمحل الفرق بينها وبين الصين وتصبح الأخيرة «ورشة عمل العالم» والهند هي «المكتب الخلفي للعالم». ومن المدهش أن نرى الازدهار الاقتصادي ينتشر في الهند حتى مع القيود البيروقراطية والفساد الحكومي. ويقود الهند فريق من الإصلاحيين على رأسهم رئيس الوزراء سنغ الذي كان وراء الإصلاح الاقتصادي منذ عام 1991.
حيث استوعب الحقيقة التي تقول ان النجاح الاقتصادي في الهند لم يشرك الفقراء خاصة أبناء الريف، واستوعب أيضاً الحاجة إلى إصلاح قوانين العمل الجامدة.
إن عظمة الهند تتمحور في اعتمادها على نفسها وعلى مرونة مواطنيها وتكيفهم مع الظروف حتى لو كانت ظروفاً صعبة، وبمعنى آخر فقد انتصر المجتمع الهندي على الدولة وبيروقراطيتها. ولا يزال الطريق أمام الهند طويلاً للوصول إلى ما تطمح إليه من عظمة حتى يحصل كل فرد على تعليم جيد ونظام صحي جيد وماء نظيف للشرب. إن نصف شعب الهند هو دون ال25 عاماً فهو شعب فتي أمامه المستقبل والتواصل مع العالم، فهل نسترجع تواصلنا معه مرة أخرى؟
كاتبة بحرينية