لا أعرف ما إذا كان كثيرون يتعرفون على معنى العنوان (احسبوني ولا تنسوني) وهو يعني بالعربي الفصيح أنني هنا لا يجب أن ينساني احد فاذكروني، ربما هو ما تحاول الدولة السورية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تقولاه للعالم تجاه تطور ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط انطلاقا من لبنان المنكوب.

كل من تابع الحرب الإعلامية المصاحبة للحرب العسكرية في لبنان يستطيع أن يعرف أن لسان حال دمشق وطهران يقول اننا هنا، ولا يجب لأحد أن يفكر أن باستطاعته وحده أن يقدم حلا شافيا لما يحدث دون أن يأخذ رغبتنا وموقفنا بعين الاعتبار.

قد تكون مصادفة في هذا اليوم أن نقارن على سبيل المثال موقف الدولتين (السورية والإيرانية) مع حدث برز على العالم في مثل هذا اليوم قبل ستة عشر عاما بالكمال، واعني به بالطبع احتلال النظام العراقي السابق للكويت، وقتها فوجئ العالم بما فوجئ به، وانقسم أيضا بين مؤيد أو قابل للفعل الشنيع أو متناس، وبين معارض. فماذا كان موقف الدولتين السورية والإيرانية وقتها؟

إيران لم تتردد تحت قيادة حكومة هاشمي رفسنجاني ( رغم المرارة التي تحملها إيران من الولايات المتحدة والتي كانت تشعر بها حكومة الثورة الإيرانية في طهران) أن تقدم كل العون السياسي على الصعيد الدولي وعلى الصعيد الإقليمي لجهود تحرير الكويت من قبضة الدكتاتور، كان الموقف السياسي الإيراني اكبر من المتوقع، كما كانت لعبتها السياسية وقتها في قمة الذكاء السياسي والحيطة الاستراتيجية.

لم تستجب لكل إغراءات النظام العراقي الذي يذبح نفسه وقتها في بغداد، فمن اجل دغدغة الشعور الإيراني التاريخي، عرضت بغداد على طهران الاصطفاف معها في مقابل أن تعترف العراق بهيمنة كاملة لطهران على الخليج، فلم تذعن لتلك الإغراءات، حاولت بغداد أن تستفز طهران بتذكيرها بعدائها لواشنطن فلم تستجب، بل وقد أرسلت بغداد لطهران طائراتها الحربية وبعض الطائرات المدنية (دون استشارة) كي تحتمي هناك.

فأعلن ذلك على الملأ، واتخذ قرار بعدم إعادتها من جديد. موقف طهران من ذلك الحدث التاريخي تكرر إبان الحرب في الجارة الشرقية أفغانستان، فقد تكرر الوقوف على الحياد لمعرفة حقة بأن ما يحدث هو تصحيح تاريخي لأعمال سياسية غير منطقية أو مقبولة. هذه المواقف لعدد من الأسباب لم تتوفر لطهران اليوم.

وفي المقابل كان موقف دمشق مماثلاً إبان احتلال الكويت، فبعد عدد من الرسائل التحذيرية التي طارت من دمشق لبغداد، وتبين بعدها أنه لا يوجد عقل بين أذني رئيس العراق (الذي يحاكم اليوم) قررت دمشق أن تنضم لقافلة عربية ومعسكر عربي، دولي عقلاني، وجدت دمشق أن ذلك الاعتداء على الكويت يؤسس، إن لم يردع، إلى مرحلة فوضى ضاربة في المنطقة كلها.

وفي لقاء طويل مع المرحوم حافظ الأسد بعد أن انجلت الغمة، شرح أسباب دمشق لاتخاذ ذلك الموقف الذي بدا صعبا من المنظور الدمشقي وقتها، المؤسس على خطاب مثالي، إلا انه اتخذ عكس ما توقع منه وتشبث بالعقلانية الواقعية، بعد ذلك اللقاء؛ لخّص جبران كورية المستشار الصحافي للرئيس الأسد لسامعيه، وكان كاتب هذه السطور من بينهم، ان الأميركان كانوا يرغبون في (التقويس) أي إطلاق النار، على كل من صدام حسين وحافظ الأسد معا، فوجدوا أن الأسد خلفهم!

في تاريخ العمل السياسي المعاصر كان موقف سوريا وقتها ضربة معلم حقيقية. استطاعت سوريا بعدها أن تضع يدها على أكثر الملفات تعقيدا في المنطقة، كشريك كبير وعضو محترم، عندما يقرر يفي بقراراته، وأصبحت مصالح سوريا تؤخذ بعين الاعتبار، قاد كل ذلك إلى ما أصبح تاريخيا اليوم يعرف بمفاوضات (وايت ريفرز) المعروفة، ثم انتكس الأمر بعد ذلك إلى ما نتركه للمؤرخين للفصل فيه.

الموقفان، موقف طهران وموقف دمشق، قبل ستة عشر عاما اختلفا هذه المرة اختلافا جذريا، فقرر الطرفان أن يأخذا موقف المؤيد للالتحام بين حزب الله في لبنان وبين إسرائيل، دون حساب دقيق للتوقيت والمتغيرات الدولية، والأخطر دون معرفة دقيقة لما يمكن أن ينتهي إليه هذا الالتحام من نتائج قد تكون مضرة بمصالحهما.

في الموقفين إن أردنا المقارنة فإن المكاسب في الأول قد تفوق المكاسب في الثاني، بل إن الخسارة في الثاني واضحة المعالم. فمؤتمر روما لم تدع إليه أي من الأطراف المتحالفة ظاهرا أو باطنا مع حزب الله، وعدا التنويه الذي نطق به كوفي عنان في أكثر من موقف بضرورة وجود دمشق، لم تعط الدول الكبرى أي التفات لتلك الأطراف، حتى دولة مثل فرنسا كانت في كفة ميزان الفهم لظروف البلدين ضربت صفحا بعيدا عن الحديث عن مشاركة أي من دمشق أو طهران في أية مشاورات.

ماذا لو تم العكس (وهو سيناريو متخيل) لو حدث أن وقفت دمشق أولا وبعدها طهران ثانيا موقف المهدئ، كون العاصمتين تعرفان أن انتصارا عسكريا قد لا يكون قريب المنال في اشتباك كمثل القائم حاليا في لبنان وحساب دقيق لموازين القوى المحلية والدولية.

وقتها قد يمكن للاعبين، منفردين أو مجتمعين، دخول حلبة اللعب السياسي من أوسع أبوابها، الأمر الذي قد يقود إلى تخفيف حدة العزلة الدولية حولهما، والظهور بمظهر الراغب في حصر الصراع وتخفيف الدمار بحثا عن حلول سياسية توفر على لبنان والمنطقة بأسرها كل هذا الكم من الآلام الإنسانية الفظيعة،التي تتمثل فيما يشاهد على شاشات التلفاز. لو حدث ذلك لتقدم الملفان السوري والإيراني مسافة ايجابية على الساحة الدولية.

قد يرى البعض أن الولايات المتحدة ليست راغبة ولا محبذة لدخول اللاعبين (طهران ودمشق) في الحلبة السياسية، ولكن كان بمقدورهما أن يدخلا من خلال الوسيط العربي، خاصة القاهرة والرياض اللتين يربطهما بكل من دمشق وطهران على التوالي ود معروف. في حالة وقوع مثل ذلك السيناريو فإن قضايا دمشق وطهران المعلقة قد تجد لها آذاناً صاغية على المستوى الدولي. إلا أن المؤسف أن مسارا آخر اتخذ في اتجاه التصعيد وخوض حرب بالإنابة على الأرض اللبنانية، وهي حرب مع دخول الظواهري على الخط، يبدو أنها تُجمع كثيرا من القوى الدولية ضدها.

من المبكر الحديث عن ما ستؤول إليه الحرب في لبنان، وعن نتائجها على العاصمتين المعارضتين طهران ودمشق، إلا أن السؤال الذي لا بد أن يطرح هو هل يمكن التوافق بين (الواقعية) و (المثالية) في العمل السياسي المحلي أو الدولي؟ لقد جرب العديد من الدول المثالية فعادت بخفي حنين، وجربت العاصمتان دمشق وطهران الواقعية السياسية قبل ستة عشر عاما فعادت عليهما بخير عميم.

كاتب كويتي