مازلت أتذكر تحديداً كلام وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر بأن «الشرق الأوسط منطقة مليئة بالمفاجآت». إلا أن هذا القول لا يبدو مشكلاً للنظرة والطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأميركية للمنطقة رغم انتسابها لذات الحزب السياسي.
وتعامل الولايات المتحدة مع المنطقة ينطلق، منذ أن جاء المحافظون الجدد لسدة الحكم فيها، من فكرة اختبار مجموعة من الأفكار والنظريات التي تنتجها مجموعة من الخبراء الأميركيين الذين قد يسمون في الأروقة الأميركية والغربية بخبراء الشرق الأوسط، وهم في هذا يصوغون الخطط والاستراتيجيات الأميركية لهذه المنطقة بكثير من التعالي ولربما أحياناً الجهل بخصوصياتها الاجتماعية والثقافية، أي الجهل أو عدم المعرفة الكافية بالمكون الثقافي والاجتماعي وبالتالي المشكل لردة أو ردات الفعل والسلوك فيها.
ولم تنتج لها كل سياساتها الآنية، إلا المزيد من التخبط في المنطقة، فنظرية الفوضى الخلاقة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية لم تنتج إلا مزيداً من الدمار والفوضى. فضرب وإنهاء الدولة العراقية كنموذج لفعل الفوضى، لم يأت إلا بمزيد من الدمار والعجز في بناء الدولة البديلة التي تشكيلها لا يبدو أنه يأخذ مداه على الوقع العراقي الشائك.
والولايات المتحدة الأميركية في غزوها ولربما في إطاحتها بالنظام العراقي قد انطلقت من أو بالأحرى زينت ذلك، أي فعلها السياسي والعسكري، بمنطلقات وأطروحات بدت في حينها أخلاقية كالحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون والإصلاح السياسي والاقتصادي، إلا أن كل ذلك سرعان ما انهار في أول تجربة لهم على الواقع العراقي. بل بدا الواقع العراقي في صراعه الدموي المُدمر معرياً وكاشفاً لتلك الأهداف البعيدة التي لم تتحقق أو أنها بالأحرى لن تتحقق، إما للجهل بخصوصية المكون المحلي من ناحية أو لأخطاء استراتيجية جسيمة قد ارتكبت على أرض الواقع من ناحية أخرى.
ولن أدخل هنا في النقاش الدائر حول الخطأ المدمر للحسابات الاستراتيجية لحزب الله في اختطافه للجنديين الإسرائيليين، إذ أن في ذلك قيل الكثير وهو الأمر الذي لا أختلف معه إطلاقاً، وما عناني هنا هو أن هذا الفعل الإسرائيلي المُدمر بحق لبنان يتجاوز لبنان وحزب الله من الناحية الجغرافية ليبدو أنه أقرب لحالة الفعل الأميركي في احتلاله للعراق. بل إنه بدا وكأن هذا الفعل محاولة أميركية لإعادة الاعتبار لمنطلقاتها المعلنة والخفية من فعل الاحتلال للعراق. وأعتقد أن هذا الفعل أو العمل العسكري المدمر يرمي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف قد يكون أهمها ليس القضاء على حزب الله كقوة عسكرية مقاومة للاحتلال.
وإنما القضاء عليه كأحد أهم أدوات وآليات «محور الشر»: إيران وسوريا المناهض للوجود الأميركي في المنطقة. كما أن نجاح مثل هذه العملية لا يتمثل فحسب في إفراغ لبنان من أهم قوة سياسية وإنما في جعله حلقة مهمة في التأثير على النظام السوري الذي بدا في سنواته الأخيرة ليس متلكئاً فحسب في إحداث إصلاحات سياسية مهمة للفعل والنظام السياسي في الداخل السوري، وإنما كذلك استثمار الواقع العراقي والفلسطيني لصالح شرعيته السياسية المتلكئة.
إن معضلة الفعل العسكري الأميركي كما هو الإسرائيلي، ان محاولة تحقيقه لأهدافه تصطدم بواقع غير قابل للتغيير بسبب عدم ملامسة هذه المعالجات أو المحاولات لأساس المعضل المحلي والإقليمي. بمعنى عدم إقرار هذه المحاولات لحقوق السكان الأساسية: السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية. فبدون حل ناجع للقضية الفلسطينية كما هو بدون إصلاح سياسي واقتصادي أساسي في بناء هذه المجتمعات، فإن دعوات لشرق أوسط كبير أو صغير وآخر جديد أو قديم، ستبقى دعوات عديمة الفائدة والنفع إن هي لم تمس أساس المشكل وجوهره.
لقد بدت مبررات الفعل العسكري التدميري الإسرائيلي في لبنان، مماثلة لبعض حالات الفعل الأميركي في العراق. فالولايات المتحدة الأميركية هناك تحارب، أو هكذا فسرتها، دولة مارقة على القانون ومعزولة في محيطها الإقليمي وتفتقر لأي تأييد شعبي وشرعية داخلية.
كما أن حزب الله قد اعتبرته أميركا والكثير من دول الاتحاد الأوروبي وإسرائيل ولربما بعض الدول العربية منظمة مارقة ومعزولة في محيطها الإقليمي الرسمي ولربما بعض الشعبي. كما أن الفعل الإسرائيلي لم يعد يقتصر دوره في تدمير حزب الله أو إبعاده عن الحدود الدولية وتجريده من قوته العسكرية، إنما امتد هذا ليشمل تدمير لبنان كمجتمع ودولة، تماماً كما الفعل الأميركي في العراق الذي لم يقتصر على إنهاء حالة وجود نظام صدام حسين السابق، وإنما امتد ذلك لإنهاء حالة وجود الدولة العراقية. وهذا الفعل كسابقه لن يقود إلا لمزيد من الفوضى المدمرة والتطرف.
وليس إلى حالة من الاعتدال والقبول المتبادل بين الأطراف والثقافات. إنها باعتقادي حالة جديدة من العلاقات الدولية بدت الحروب الإقليمية فيها كما فعل إنهاء الدولة تأكيداً لمركزّة القوة الدولية في يد الولايات المتحدة الأميركية، ومدخلاً مهماً لإحياء مشروعها «الشرق الأوسط الكبير» أو «الجديد». هذه السياسات التي لم تفشل في تحقيق هذا المشروع فحسب، وإنما أثارت حولها جملة من ردود الأفعال المتشددة والذي سيضفي العمل العسكري الإسرائيلي الحالي والموقف الأميركي المشجع والمساند له مزيداً من التشدد والتطرف.
إن ما يحدث لن يقلص حتماً من دائرة التشدد والتطرف، بل إنه سيزيد من تقليص دائرة الاعتدال على الصعد الشعبية، وسيخلق بؤراً كثيرة للتوتر ويدفع نحو تشكيل تنظيمات وخلايا متطرفة منفلتة من عقالها. ألم نلحظ أن السنوات التي تلي أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي في المنطقة تتبعه موجة عارمة من التطرف الذي لا تضيف المعالجات العسكرية والأمنية إلا مزيداً منه؟!
إن نتاج الفعل العسكري الإسرائيلي في لبنان لا يجب النظر إليه من زاوية تحقيق النصر العسكري وطريقة وثمن الإتيان به، كما لا يجب النظر إليه من زاوية الصمود والمقاومة وثمن تحقيقها، وإنما ما ستأتي به كلتا الحالتين أو إحداهما من مصاحبات غير منظورة لا تقل خطورة عن حالة مصاحبات الحالة العراقية الآنية. إن هذا الفعل، كما هو غيره من الأفعال العسكرية، لن يأتي بالنتائج المرجوة منه لأنه فعل جاهل بالحالة الخاصة للمكون الاجتماعي والثقافي للمنطقة الذي تجهله إسرائيل، رغم وجودها بيننا لأكثر من نصف قرن من الزمان.
كاتب بحريني