أي مجتمع دولي هذا الذي نحى ضميره أمام جرائم دولة تخصصت في الإرهاب وتمارس جرائم الحرب بشكل يفوق ما فعله النازيون خلال الحرب العالمية الثانية.

أي مجتمع دولي هذا الذي يرى بشاعة مذبحة قانا (2) ويكتفي بتقديم واجب العزاء داخل سرادق مجلس الأمن دون أن يسعى إلى معاقبة الجاني أو مساءلته، متعمداً إغفال تاريخه الدموي إرضاء لمن يحميه.

هل مات ضمير الأمم المتحدة ـ لسان حال المجتمع الدولي ـ تحت أنقاض قانا التي ارتكبها السفاح الصاعد إيهود أولمرت المحصن ب«فيتو» أميركي يناصر الظالم على المظلوم ويردع كل من تسول له نفسه التعرض لإسرائيل؟

هل باتت المنظمة الدولية المخول إليها حفظ الأمن والسلم الدوليين وتطبيق المواثيق الإنسانية، مشلولة وعاجزة عن تطبيق مهامها، مكتفية بإرسال برقيات التعازي إلى المتضررين من ممارسات الذين يستهزئون بالقانون الدولي؟

أدنى ما كان يتوقعه العالم من مجلس الأمن هو إدانة الدولة العبرية على جرائمها والدعوة إلى تحقيق دولي في مجزرة قانا. ولكن من المؤسف أن المجلس الموقر الذي يضم الصفوة الدولية التي تسير شؤون هذا العصر، لم يبلغ هذا الحد الأدنى. اكتفى فقط بتقديم واجب العزاء إلى الشعب اللبناني من خلال برقية دولية تحمل عبارات المواساة المعتادة في المآتم، وتسمى بالبيان الرئاسي.

موقف المجلس من المذبحة، مشين ولا يليق بأن يكون معبراً عن غضب واستياء الرأي العام العالمي. فنص البيان الرئاسي، أو بالأصح بيان التعزية، يشير إلى أن المجلس يعبر عن صدمته وأسفه لخسارة الأرواح البشرية البريئة في قانا. وحتى لا تتسبب كلمة «صدمة» في إغضاب إسرائيل، ألحقت العبارة بفقرة أخرى يعبر فيها المجلس عن قلقه العميق لمقتل المدنيين اللبنانيين والاسرائيليين معا. ولكي يطمئن اللبنانيين الذين تعرضوا للتشرد على أنه يتذكرهم، دعا بيان المجلس ما أسماهم جميع الأطراف إلى تأمين توصيل المساعدات الإنسانية بصورة فورية وغير محددة.

هذا أقصى ما في جعبة مجلس الأمن الذي لم يستطع حتى أن يدافع عن أفراد قواته الدولية التي سقط منها أربعة بأيدي الإسرائيليين قبل أسبوع.

للأسف، كانت منظمة «هيومان رايتس ووتش» المختصة بحقوق الإنسان، أقوى وأعنف في رد فعلها على ما حدث في قانا. فقد أدانت ـ رغم أنها أميركية المولد ـ الجريمة، وحملت الجيش الإسرائيلي المسؤولية الكاملة.

وقال المدير التنفيذي للمنظمة «انه يبدو أن الجيش الإسرائيلي يعتبر أن من الجائز له استهداف جميع الذين يعيشون في جنوب لبنان».

وفي حين أن مجلس الأمن الدولي لم يشر في بيانه الرئاسي إلى ضرورة إجراء تحقيق في مجزرة قانا، طالب بيان «هيومان رايتس» الأمين العام للأمم المتحدة ـ رغم أنه مغلوب على أمره ـ ببدء إجراء تحقيق دولي في الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني.

واعتبر ما حدث في قانا جريمة حرب. وما قالته «هيومان رايتس» هو رد على مزاعم الحكومة الإسرائيلية التي ادعت أن المقاومة اللبنانية هي المسؤولة عن المجزرة وأنها حذرت سكان قانا قبل أيام بمغادرة البلدة.

لقد بدا مجلس الأمن أمام مسؤولياته ضعيفا هزيلا. استسلم لما تمليه عليه الولايات المتحدة التي عرقلت إصدار قرار بإدانة الجريمة، أو إجراء تحقيق دولي فيها.

وإذا كان المجلس الموقر، اكتفى في بيانه الرئاسي بالتعزية، فاللبنانيون ومعهم الرأي العام العربي والإسلامي يقولون له ردا على برقيته إن هذه ليست حالة وفاة، بل جريمة حرب واضحة وصريحة.