أسوأ ما تحمله الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس في جولتها الرسمية الثانية للمنطقة، هذه الضغوط الأميركية على الأطراف العربية المعنية بشكل مباشر في المنطقة، خصوصاً الطرفين الفلسطيني واللبناني، وهذا الدعم المفتوح السياسي والمادي لحكومة أيهود أولمرت وائتلاف التطرف داخل الدولة العبرية. فالوزيرة رايس في زيارتها الأولى، وتحديداً بعد لقاءاتها الإسرائيلية، أعلنت موافقة الإدارة الأميركية على استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية، وجددت دعوتها إياها في مؤتمر روما.
والوزيرة رايس، تعلن قبل انطلاقها في زيارتها الثانية للمنطقة بعد العملية العسكرية الإسرائيلية أنها ستعمل «كل ما في وسعها من أجل ممارسة وجبات من الضغط على الطرف الرسمي الفلسطيني واللبناني». والأكثر من هذا، تطالب الرئيس محمود عباس بالتحرك لمواجهة ما أسمته بـ «الإرهاب الفلسطيني»، وتفكيك سلاح حزب الله وفق القرار 1559، دون إشارة ولو عابرة للعمليات الإسرائيلية التي فاقت كل تصور.
إن الفلسطينيين واللبنانيين وعموم العرب، شبعوا، واتخموا بالوعود والأقوال والمواقف الأميركية اللفظية دون أن يجدوا موقفاً جدياً واحداً في الضغط على الدولة العبرية الصهيونية، وعلى حكومة أيهود أولمرت تحديداً، وهي الحكومة الأكثر دموية تجاه اللبنانيين والفلسطينيين في تاريخ إسرائيل.
إن الرسائل السياسية التي طيرتها الوزيرة الرشيقة كوندوليزا رايس إلى بيروت، أكثر من أن يجري تعدادها. فهناك رسائل سياسية إلى دمشق، لإنهاكها. ووضعها تحت المطب اليومي من سياسة الضغط والتخويف الأميركية بعد أن باتت الساحة اللبنانية ميداناً فسيحاً ومستباحاً أمام واشنطن في لعبة السياسة الشرق أوسطية.
وهناك رسائل لحزب الله ولكل التلاوين السياسية الحزبية اللبنانية ذات التوجه العروبي القومي المقاوم، وكلها رسائل تقع تحت خانة (تخويف + تحريض)، متبوعاً بالغوص في تفاصيل الملف اللبناني لتجييره بشكل استخدامي في ظل مرحلة مقبلة تلوح في الأفق في عموم المنطقة.
وعليه فان اتصالات الوزيرة رايس في زيارتها الأولى قبل أيام، مع أقطاب لبنانية مختلفة خارج إطار المؤسسة الحكومية ليس بريئاً، ولن يكون بريئاً مادام يجري في مناخات لبنانية مشبعة بالتوجس والتعقيد منذ انسحاب آخر جندي سوري من الأراضي اللبنانية، وانفلات غول الاغتيالات والقتل البشع هنا وهناك.
وبغض النظر، عن عدد زيارات رايس إلى المنطقة، فإنها لن تحمل الترياق للشعب اللبناني الجريح، ولن تحمل الدواء الشافي للشعب الفلسطيني المحاصر على أرض قطاع غزة، طالما بقي الموقف الأميركي يراوح مكانه ويحقن سياسة ايهود أولمرت بالمزيد من التغطية والتعبئة السياسية على المستويات كافة، مع أن الحيرة بدأت تتسرب داخل مراكز القرار في الإدارة الأميركية بعد فشل العملية العسكرية الإسرائيلية وتعالي الضجيج الدولي المنادي بالوقف الفوري للعدوان. ففي المؤتمر الصحافي المشترك للرئيس جورج بوش ورئيس وزراء بريطانيا مساء 28/7 الجاري، أعاد كل منهما التركيز على حيثيات الموقف المنحاز إلى إسرائيل، بالرغم من القلق الذي تضمنته الكلمات المستورة بين العبارات التي أطلقها كل منهما، جراء وصول العملية العسكرية الإسرائيلية إلى الحائط المسدود.
إن الحقائق على الأرض لا يستطيع أحد أن يقفز عنها، وأولى الحقائق التي نعنيها هذا الصمود المذهل للشعب اللبناني وحزب الله ومؤسسة الرئاسة واحتضانها للمقاومة، وتراجع رصيد القوى التي عملت على توتير الأجواء الداخلية في لبنان منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري.
وثانيها في تحول المقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله إلى قوة مقررة على الأرض، وقادرة على لعب دور حقيقي في مقارعة الاحتلال، فلأول مرة منذ قيام الدولة العبرية الصهيونية تصل صواريخ المقاومة إلى قلب فلسطين المحتلة عام 1948 في العفولة وحيفا وطبريا وغيرها، ولأول مرة تتحول المقاومة إلى عامل رئيسي في المنطلقة، انطلاقاً من بلد عربي جرى استضعافه من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ توقيع اتفاق الهدنة عام 1949.
وفي هذا الوقت أصبحت خارطة الطريق الأميركية نسياً منسياً، لصالح الحديث عن اللعبة الجديدة في لبنان تحت عنوان القرار 1559، ولصالح الحديث عن خطة الفصل الأحادي التي فصلها تحالف ايهود أولمرت الائتلافي وفق مقاس سياساته ورؤيته البعيدة للحل مع الطرف الفلسطيني. وفي هذا السياق فان تجاهل الوزيرة رايس لسوريا في زيارتها الأولى، وتحميلها مسؤولية ما يجري، يصب في طاحونة توتير الأجواء، وحقن سياسات أيهود أولمرت بمزيد من التطرف ضد مجمل الأطراف العربية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
