بعد عشر سنوات على جريمتها الأولى، عادت إسرائيل إلى قانا في الجنوب اللبناني بمجزرة جديدة، في قصف متعمد لملجأ احتمى فيه العشرات من الأطفال والنساء العزل الذين تكومت جثثهم في مشهد مروع داخل المبنى المنكوب.
وكما هي العادة في كل جرائمها سارعت تل أبيب إلى نفض أيديها من المذبحة الجديدة بزعم ان صواريخ حزب الله تنطلق من المنطقة، وهو الادعاء نفسه الذي ساقته في مجزرة قانا الأولى في ابريل عام 1996 عندما لجأ أيضاً مئات المدنيين إلى مقر للقوات الدولية فأمطرتهم «عناقيد الغضب» الإسرائيلية، وأكد تحقيق للأمم المتحدة وقتها أن القصف كان متعمدا.
المجزرة الإسرائيلية التي بثت فظائعها محطات التلفزة العالمية، أظهرت بجلاء مدى الوحشية التي يتعامل بها الجيش الإسرائيلي مع المدنيين العزل من كل سلاح، فبعد هروبه المذل من مثلث الرعب في مارون الراس وبنت جبيل وعيترون أمام صمود المقاومة، حاول الجنود الإسرائيليون التغطية على فشلهم بهذا العدوان الهمجي على قانا والذي يكشف مدى الحقد والعنصرية التي قادتهم إلى شن هذه المجزرة البربرية.
جريمة الجيش الإسرائيلي جاءت فيما كان الضحايا نياما في ليل عربي أسود يتشح بالصمت المريب. نعم تتحمل إسرائيل نتائج جريمتها كاملة، لكن يشاركها ذات المسؤولية أولئك الذين اداروا ظهورهم للعدوان وكأن لبنان وما يراق على أرضه من دم للأبرياء يقع في كوكب ثان.
لا يكفي ان ترفع بعض بيانات الشجب والإدانة لما جرى في قانا فجر أمس، بل لابد من تكثيف الجهود من اجل الوقف الفوري لإطلاق النار الذي أجبرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على الدعوة إليه بأسرع وقت، وبعد ان فضحت المجزرة الجديدة الدور الأميركي المساند والمؤيد لإسرائيل منذ بداية العدوان الذي يدخل اليوم يومه العشرين.
قانا نقطة فارقة لا يجب ان يتشابه ما بعدها مع ما قبلها، رغم أن العدوان الإسرائيلي لم يفرق بين هذا اللبناني أو ذاك أو بين هذه البلدة او تلك، غير ان جريمة بهذا الحجم ومجزرة بهذا الشكل لا يمكن التعامل معها بالطريقة ذاتها التي تعامل البعض بها مع الحرب الإسرائيلية على لبنان.
اليوم لم يعد الصمت ممكناً، ولم يعد هناك مكان لتبرير العدوان ومن تسبب فيه، فمثل هذا الجدل البيزنطي لم يعد جائزا أمام توسع آلة الإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق اللبنانيين. وعلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي التدخل من أجل وقف فوري للنار ومنع استمرار حمامات الدم التي يدفع المدنيون اللبنانيون الأبرياء ثمنها، إرضاء للمخططات والمشروعات الأميركية والإسرائيلية لفرض شرق أوسط جديد يتماهى مع مصالح البلدين.
وقف النار من دون شروط مسبقة بات أكثر إلحاحاً ولم يعد هناك أي مبرر لعدم الضغط عربيا ودوليا من اجل الوصول إليه، في مواجهة إعلان إسرائيل مجدداً أنها ليست في عجلة من أمرها لوقف النار، لتواصل تكرار جرائمها واحدة تلو الأخرى بغطاء أميركي فاضح.