ما بين باريس ولندن ومدريد وبروكسل ومونتريال، تابعنا افتتاحيات الصحف وآراء المثقفين وأصحاب القرار في الغرب مكتوبة أو معبرا عنها في البرامج الحوارية للتلفزيونات، وهي جميعا تحمل لهجة مختلفة عن التي عودتنا عليها وسائل الإعلام في أوروبا وأميركا من الانحياز الجهول وأحيانا الأعمى لمواقف إسرائيل. فالخطاب الغربي بدأ يتحمل المسؤولية التاريخية ويعيد النظر في السياسات الإسرائيلية التي تودي بالعالم كله إلى محنة الحرب.

بل ولسنا نبالغ إذا أكدنا بأن القضية الفلسطينية العادلة بدأت تجد الآذان الصاغية والضمائر الحية والعيون اليقظة لدى الرأي العام الغربي، الذي طالما زورت الدعاية الصهيونية العاتية أمامه الحقائق ودلست التاريخ وتلاعبت بالثوابت والأرقام والوقائع، حتى تنجح في عمليات تضليل وغش ممنهجة هي الأكبر والأعمق في العصر الحديث.

و على سبيل المثال نقرأ في صحيفة «ليبراسيون» الباريسية أقسى إدانة للعدوان الإسرائيلي الأخير والمتواصل على شعب قطاع غزة وعلى جنوب لبنان بقلم رجال شرفاء من الغرب اشتركوا في التوقيع على هذا البيان النزيه وهم جون يار ديبوا رئيس الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان وبرنار رافنال رئيس جمعية التضامن الفرنسي الفلسطيني وجون ماري فاردو رئيس اللجنة الكاثوليكية من أجل التعاون وغوستاف مسيح رئيس المركز الدولي للتنمية وجون بيار ريشير رئيس جمعية الإغاثة الكاثوليكية وباتريك بيجو الناشط الحقوقي المعروف. اجتمع هؤلاء الشرفاء ليوجهوا رسالة أمينة وبليغة وغاضبة للعالم بعنوان التصعيد الخطير للعدوان الإسرائيلي».

يقول الموقعون على البيان: إن غزة تعيش تحت الإرهاب بعد اجتياح القطاع من قبل قوات إسرائيلية تقذف بآلاف القنابل يوميا على الأبرياء والعزل، وفي هذه الحرارة الخانقة يعيش نصف سكان القطاع المليون والنصف محرومين من الكهرباء والماء الصالح للشرب ومن الصرف الصحي منذ تدمير المفاعل الكهربائي الوحيد الذي يغذي القطاع. ويضاف إلى هذا العذاب بطالة الاف العمال المحاصرين في بيوتهم بسبب العقوبات الاقتصادية الفعلية المفروضة على الشعب والفقر والبؤس. فالغزاويون يواجهون محنة جديدة !

والحجة التي تقدمها حكومة إسرائيل للعالم هي احتجاز الجندي جيلاد شاليت. وكأنما نسيت إسرائيل بأنها تمارس منذ سنوات عمليات الاغتيال التي استهدفت مدنيين أكثر من استهدافها مسلحين، وذهب ضحيتها أبرياء بالمئات وضعت إسرائيل في مواجهتهم آلاف المجندين اليهود، يكابدون هم أيضا ويلات وتبعات الواقع المرير لتمديد الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية وإخضاع شعب فلسطين بالقوة. فكيف تدعي إسرائيل اليوم بأنها تحرص على إنقاذ حياة جندي واحد؟

و لم تبق الصحافة البريطانية تغرد كلها خارج سرب الحق، فقرأنا للمحلل السياسي المعروف ماسياس موسبيرغ في صحيفة «الغارديان» مقالا يدعو اليهود والعرب إلى قبول مبدأ الكونفيدرالية مثل النظام السويسري، ووضع حد للاحتلال والتقتيل اللذين تستعملهما الدولة العبرية سياسة دائمة.

و في باريس يوم الأربعاء 22 يوليو قضت محكمة النقض بتبرئة ساحة المفكر وعالم الاجتماع الشهير المرشح لجائزة نوبل الأستاذ ادغار موران، وهو ينتمي للطائفة اليهودية!

برأته من تهمة معاداة السامية والدعوة للكراهية بين الأعراق بعد أن رفعت المنظمات الصهيونية ضده قضية على اثر نشره لرأي حر على صحيفة لوموند في تاريخ 4 يونيو 2004 تحت عنوان «إسرائيل- فلسطين: السرطان» ضمنه تنديدا عنيفا وأمينا بالطغيان الإسرائيلي المعول فقط على قوة السلاح.

هذه بعض النماذج من التحول المبارك الذي نسعى مع إخوة مثقفين يعيشون في الغرب لتعزيزه في مواقف وأفكار النخبة الغربية التي تتعامل مع الأحداث وبدأت تصحو على المغالطات الإسرائيلية. ولكن هذا المنعرج لا يعفي العرب من رسالة التبليغ ودعم الحق ونصرة الأشقاء الذين يعيشون اليوم ويلات الإرهاب الرسمي في فلسطين ولبنان. فكيف نكون نحن العرب أكثر تفهما لإسرائيل من الغربيين؟