تشهد بعض العواصم العربية والإسلامية، وبعض العواصم الدولية، تحركات دبلوماسية واجتماعات سياسية، وتظاهرات شعبية، ومساجلات إعلامية تتفق حول هدف عاجل واحد هو الوقف الفوري للعدوان الصهيوني الإجرامي على لبنان، والتفاوض بعده على حل جذري للصراع بين لبنان وإسرائيل، يرتبط بحل جذري عادل للقضية الفلسطينية التي تمثل بؤرة الصراع في الشرق كله.

وتدخل جولات وزيرة الخارجية الأميركية ضمن هذه التحركات الدبلوماسية والتي جاءت إلى العواصم المعنية خالية الوفاض من أية مبادرة إلا بث الفرقة وشق الصف الوطني والقومي إلا من هدفين لم تشأ أن تعلن عنهما مع وصولها إلى المنطقة، الأول شراء وقت لإطالة أمد الحرب العدوانية الإرهابية على الشعبين الفلسطيني واللبناني بقرار سياسي أميركي تنقصه المسؤولية ويجافيه الذكاء، وبأداء عسكري إسرائيلي تنقصه القدرة على الحسم، ويميزه فقدان الذاكرة لنتيجة مغامرات الغزو السابقة مع المقاومة في لبنان.

ومع إدراكنا لفشل أميركا وإسرائيل والغرب في تطبيق القرار 1559 حتى اليوم، ومحاولتهم المحكوم عليها بالفشل باتخاذ موضوع الأسيرين أو الثلاثة الصهاينة ذريعة لشن هذه الحرب المجنونة، والتي لم يعد لها من معنى سوى الإرهاب والإجرام والتخريب الصهيوني، ظنا وتوهماً لإمكانية تنفيذه بالقوة العسكرية لتكون لبنان بعده بوابة «واشنطن» و«تل أبيب» لتنفيذ مشروعهما المشترك في الشرق الأوسط.

فإن ما جرى ويجري حتى الآن لم يسفر عن شيء، ولا يكاد يسفر عن أي نتيجة لما يتوهمون من إخضاع للمقاومة ولشعوب المنطقة طبقاً لحزمة الحلول العوراء ذات المنظار الصهيوني للحل والتي لا تملك مفتاحاً له.

إن مفتاح الحل في الشرق الأوسط، ومع الورطة التي يستدرج اليها جيش الاحتلال الصهيوني، وتزداد مع استمرار العدوان، بتعرض مدنه ومستعمراته وعمقه المحدود لقصف صواريخ حزب الله، ومع تساقط طائراته، وتدمير دباباته، وسقوط العشرات من جنوده بين قتيل وجريح ومع خسارته المؤكدة عسكرياً وسياسياً، ومهما كانت النتائج على يد حزب وحيد، فإن هذا لا يجعل إسرائيل في موقف يتيح لها فرض الشروط بل العكس هو الصحيح.

وفي مواجهة حزمة الحل الصهيوني المطروح عبر الدول الثماني الكبرى، فإن حزمة الحل المقابلة لبنانياً والتي تتمثل في وقف إطلاق النار دون شروط، ومفاوضات لتبادل الأسرى، وانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وضمانات دولية لمنع اعتداءات إسرائيل على لبنان، واحترام خط الهدنة، قد تبدو حلا لبنانياً إسرائيلياً لأنه سينفي مبررات استمرار المقاومة، لكنه مع ذلك سيكون حلا مؤقتاً، لأنه لا يتعامل مع مفتاح حل الصراع من جذوره في المنطقة العربية والإسلامية، وسيبقى ملف الصراع مفتوحاً بغير حل نهائي.

إن مثل هذه التحركات والمحاولات لن تصل إلى الحل النهائي للصراع الحالي ولا الآتي بسبب بسيط هو أنها لا تمد بصرها عبر خط الهدنة اللبنانية الإسرائيلية، باتجاه فلسطين، وسوريا والعراق، ولأنها لم تحاول الدخول من المدخل الحقيقي لمعالجة أسباب الصراع الأساسي في المنطقة كلها وليس بين إسرائيل ولبنان فقط، والذي لن يتوقف إلا بإيجاد الحل العادل له.

.. ومن جانب آخر لا نتغافل عن أن للطرف الأميركي والإسرائيلي إرادة في تفجير هذا الصراع وفق مخططات سابقة على أسر الجندي الصهيوني في غزة أو الجنديين في الجنوب اللبناني لتنفيذ أجندتهما المشتركة في سيادة إسرائيل على المنطقة، وسيادة أميركا على العالم، في لحظة تاريخية يتصوران أنها الأنسب للإجهاز على المقاومة، وبالتالي السيطرة على المنطقة كلها.

وأمام الصورة المقلوبة لطرف صهيوني يمارس الإرهاب الفعلي ويشن الحرب بدعم أميركي مباشر، تحت لافتة مزيفة بعنوان «العمل من أجل السلام»، واستراتيجية ملتبسة بعنوان «الحرب على الإرهاب»، وادعاء لم يخدع أحداً بأنها حرب لتنفيذ «القرارات الدولية»! فضلاً عن الادعاء الأول الذي طرحوه في البداية كذريعة وتجاوزوه الآن وهو «تحرير الأسرى الثلاثة»، بإعلانهم للهدف الحقيقي وهو تنفيذ المشروع الاستعماري الصهيوني المشترك المسمى «بالشرق الأوسط الجديد» !!

أما الثانية فهي الصورة الطبيعية لطرف فلسطيني ولبناني، بدعم شعبي عربي وإسلامي يمارس المقاومة وهي حق مشروع لمن تحتل أراضيهم ضد المحتلين وفقاً لمواثيق الأمم المتحدة، ويسعى فقط إلى تحرير أرضه المغتصبة، وأسراه، من بيوتهم في الأراضي المحتلة المخطوفين بواسطة المحتلين المعتدين. ويحتكم إلى قرارات أصدرها مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة أهمها القرار 194 المؤكد لحق العودة للفلسطينيين.

لكن الطرف الإسرائيلي بدعم أميركي يرفض تنفيذ تلك القرارات الدولية التي تمثل ما يطلق عليه «الشرعية الدولية» وهي بالفعل شرعية لولا الفيتو الأميركي الظالم المعطل لدور مجلس الأمن. وبدلاَ من ذلك يصرون على تنفيذ قرار واحد مثير للجدل، ويعد سابقة سيئة لعمل هذه الشرعية بتدخلها في شأن من صميم الشؤون الداخلية للدول، وهو القرار 1559..!

Mamdoh77t@hotmail.com