عناوين الأخبار هذه الأيام تجعل من الصعب على المرء أن يكون متفائلاً: فالتكنولوجيا النووية آخذة بالانتشار؛ أسعار النفط العالمية تضاعفت ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية؛ الأسواق الناشئة تواجه تحديات؛ العنف في أفغانستان والسودان ولبنان وأجزاء كبيرة من الشرق الأوسط يتعاظم بشكل كبير؛ جيل جديد من المتشددين يحيك مخططاته؛ وأجواء انعدام الثقة الجيوسياسية آخذة بالانتشار. لكن الصورة على المدى البعيد أكثر إشراقاً، وإن كانت غائبة عن أذهاننا بسبب الأجواء الحالية الكئيبة.

إن التقدم الذي يتم إحرازه في العلم والتكنولوجيا يساهم بشكل مطرد في تحسين أوضاع الإنسان. وتقدّر الأمم المتحدة أن متوسط الأعمار المتوقع عند الولادة، والذي ارتفع من 46 إلى 65 عاماً خلال نصف القرن الماضي، يتوقع أن يصل إلى 75 بحلول منتصف هذا القرن.

وبحسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في 1998، فإن «الحياة في القرن الواحد والعشرين ينبغي أن تكون أكثر صحة وأفضل وأطول لعدد من الناس أكبر من أي وقت مضى.» وتنبأ التقرير بانخفاض معدلات الوفيات قبل سن الخمسين إلى النصف تقريباً بحلول عام 2025.

وإضافة إلى ذلك، فإن فرص تحقيق الازدهار والرخاء أصبحت متاحة الآن لعدد من الناس أكبر من أي وقت مضى. فلقد ساعدت العولمة على رفع ثلاثة مليارات مشارك من الصين والهند والاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية إلى التيار الاقتصادي العالمي السائد. ويملك الأفراد الآن فرصاً أكثر من أي وقت سابق للمنافسة والتعاون عالمياً.

لا تزال هناك فوارق مهمة في الفرص بين العالم النامي والعالم المتقدم، لكن الاتجاهات التاريخية بعيدة المدى تشير إلى أن التقدم التكنولوجي، بصورة عامة، قد أفاد الإنسانية جمعاء. وفي هذا السياق، فإن المخاوف من أن يؤدي هذا الخطر السياسي قريب المدى أو ذاك إلى جعل العالم مكاناً أخطر تضيع في التفاصيل فتفوت الصورة الكبيرة. وهذه أنباء سارة.

وفي كتابه الصادر عام 2003 بعنوان «ساعتنا الأخيرة»، وصف الأكاديمي اللامع البروفيسور مارتين ريز، من جامعة كامبردج، سلسلة مدهشة من التجارب بدأت عام 2000 في مختبر بروكهافن الوطني في لونغ ايلاند بولاية نيويورك. واستخدم العلماء هناك مسرّع جسيمات ذرية متطوراً لإعادة إيجاد الظروف التي سادت مباشرة بعد الانفجار العظيم الذي ولد منه الكون. ويستطيع العلماء اليوم القيام بأمور خارقة.

والأنباء السيئة هي أن ريز، عالم الفيزياء الفلكية ذا الشهرة الكبيرة، جادل بأنه مجرد إجراء هذه التجارب كان يمكنه نظرياً توليد مستويات طاقة هائلة مركزة بما يكفي لتدمير كوكب الأرض بأكمله. ويقدر البعض احتمال حدوث هذا بواحد إلى 50 مليوناَ.

وهذا احتمال ضئيل جداً لدرجة أنه يكاد يكون مهملاً، ولذلك فقد مضى العلماء في تجربتهم، من دون موافقة أو إشراف أية جهة رسمية مسؤولة.

ويقول ريز إن العلماء قرروا من تلقاء أنفسهم وبكل بساطة أن المراهنة على مصير الأرض بهذه الطريقة مراهنة معقولة.

وهذا يأخذنا إلى الاتجاه الثاني في تأثيرات العلم والتكنولوجيا على البشرية. لقد تمت مناقشة الحجج التي ساقها ريز على نطاق واسع حتى أنه تعرض للافتراء والقذف في بعض الأوساط، لكن ليس بوسع أحد إنكار المخاوف من احتمال أن تؤدي مظاهر التقدم العلمي والتكنولوجي إلى توليد مخاطر جديدة. فالتطور التكنولوجي يعمل على تمكين الأفراد والجماعات الصغيرة لتغيير العالم للأفضل.

لكنه يمكن أيضاً أفراد آخرين وجماعات صغيرة أخرى من إلحاق الأذى بملايين البشر وبالاقتصاد العالمي عن سبق إصرار وترصد أو بمحض الصدفة .

وإذا صدقت تقديرات ريز، فإنه يمكن لمجموعة صغيرة من العلماء تعمل بدون إشراف من جهات عليا أن تتسبب دون قصد منها بتدمير الحياة على الأرض. ومهما كان هذا الخطر ضئيلاً في علم الاحتمالات، فإنه غير مسبوق. ولنقارن تجربة بروكهافن بمشروع مانهاتن وهو مشروع بحثي أقل تطوراً بكثير تم تطويره قبل ستة عقود ولا يمكن إتمامه بدون المساعدات المالية على مدى سنين طويلة من قبل أغنى حكومة بالعالم.

وقال ريز إنه يراهن بـ 1000 دولار أنه بحلول عام 2020، «سيتسبب عمل إرهاب بيولوجي أو خطأ بيولوجي في سقوط مليون ضحية في حدث واحد.» وسواء كسب ريز رهانه أم خسره، فليس هناك من شك أن الانتشار المتزايد للتقنيات الخطرة سيزيد بشكل كبير مخاطر وقوع كارثة سياسية واقتصادية هائلة.

وليس من الصعب على معظمنا أن يتعايش مع احتمال واحد بالخمسين مليوناً لوقوع كارثة مدمرة للبشرية. لكن مشروع بروكهافن لا يمثل سوى تهديد واحد ـ قائم على احتمال الخطأ وليس الإرهاب. وأعظم ما يخشاه المرء هو أن الدول المارقة أو حتى الجماعات أو الأفراد المارقين، يستطيعون الآن الوصول بحرية إلى أدوات قادرة على قتل أعداد هائلة من الناس وإيقاع الفوضى في النظام العالمي بأكمله.

ويسارع البعض إلى طمأنتنا بأن التقنيات المدمرة تترافق عادة مع جهود ملموسة لمجابهة خطرها. وفي السياق السياسي، فلقد نما التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب بمعدلات غير مسبوقة.

وبرغم تعطل نظام منع الانتشار إلى حد بعيد، فإن الوعي الجديد حول المخاطر التي تشكلها الدول المارقة النووية رفع القضية إلى رأس الأجندة الدولية. والكلام نفسه ينطبق على التكنولوجيا. ويقول راي كورزويل، أحد أشهر الباحثين العالميين المتفائلين في التكنولوجيا، إن تقنيات مكافحة الفيروسات الحاسوبية تتيح للإنترنت أن تنمو وتزدهر.

وكذلك فإن مخاطر التلاعب الجيني والمخاطر الأمنية البيولوجية الجديدة ستتم مواجهتها بجهود من مصادر كبيرة التمويل لتحجيم تلك المخاطر. لكن شبكة المعلومات العنكبوتية الدولية لا يمكن أن تقارن بالاقتصاد العالمي الذي يمكن أن يؤدي أي خلل وظيفي في أي جزء من أجزائه إلى تأثيرات متسارعة على نطاق واسع في أرجاء النظام.

وباختصار، فإن المخاطر قريبة المدى لها أهميتها أيضاً. فالصراعات الاجتماعية والسياسية تولّد محاولات من جانب قلة قليلة لمهاجمة النظام الدولي بأكمله. وباستطاعة القلة الآن التسبب بدمار كان من المستحيل تصوره في الماضي.

العلم والتكنولوجيا سيستمران في تحسين حياة الناس حول العالم. لكن المخاطر السياسية التي تهيمن على عناوين الأخبار اليوم ، الإرهاب العابر للحدود، الانتشار النووي والاضطراب الاجتماعي الناشئ عن الهوة المتسعة في الفرص، تولد تهديدات غير مسبوقة، بينما تكتسب عملية الإبداع التكنولوجي زخماً جديداً.

خدمة لوس أنجلوس تايمز

خاص ل«البيان»