منذ قرابة الخمسين عاماً احتلت الأراضي العربية الفلسطينية من قبل الإسرائيليين الصهاينة القادمين من مختلف مناطق العالم سعياً وراء تهجير المواطنين الأصليين للأرض، ليحل محلهم مستوطنون جدد يرون في هذه الأرض الحلم الإسرائيلي الكبير الذي يتوق كل صهيوني إلى تحقيقه والرامي إلى بناء الإمبراطورية الصهيونية الكبرى. وهذا ألقى بالطبع فاتورة ذات ثمنٍ خيالي على عاتق الأمتين العربية والإسلامية والشعب الفلسطيني.
و مع مرور الزمن وحتى يومنا هذا ما زالت قضية فلسطين (قضية العرب المركزية) تراوح مكانها والمستوطنات تتكاثر يوماً بعد يوم، والفلسطينيون يعانون يوماً بعد يوم نتيجة تفشي هذا الوباء الصهيوني القاتل في تلك الأراضي المقدسة.
ومع الجرح العربي الفلسطيني الذي دام قرابة نصف قرن وهو ينزف دماً فإن العدو الصهيوني قام بتلبية رغبة مرض نفسية أخرى بأن اجتاح أراضي الجنوب اللبناني عام 1982.
منتقصاً سيادة أراضي الجنوب اللبناني ومدمراً لها بآلة الترسانة العسكرية. لكن جنود الكيان الصهيوني لم يدخلوا لبنان بسلامٍ آمنين بل وجدوا فيه شعباً مقاوماً بالسلاح لرد العدوان الإسرائيلي. وبعد فشله في أول مرة كان اجتياحه العسكري في عام 1993 مرتكباً أبشع المجازر الدموية.
وقد تكرر العدوان على لبنان أيضاً في عام 1996 وما زالت المقاومة اللبنانية تضرب بيدٍ من حديد على العدوان العسكري الإسرائيلي حتى جاء الفرج وأعلن تحرير أراضي الجنوب اللبناني من أيادي الكيان الإسرائيلي على أيدي حزب الله عام 2000.
و بعد هذه الهزيمة التي تلقتها إسرائيل أرادت مرةً أخرى أن تعيد فتح الجرح اللبناني، فبعد أن قام حزب الله من خلال عملية عسكرية بأسر جنديين إسرائيليين قامت قيامة إسرائيل ولم تقعد. فقامت بتحريك جيشها وآلتها العسكرية نحو لبنان مرةً أخرى.
فالآلة العسكرية الوحشية التي يمتلكها الكيان الإسرائيلي وكما عهدناها من قبل لم تستطع التمييز بين الكبير والصغير بين الطفل والشيخ الطاعن في السن، ضربت بكل ما أوتيت من قوة المناطق اللبنانية متجاهلةً وجود المدنيين اللبنانيين في تلك المناطق. أطفال يتعذبون حتى تزهق أرواحهم، جثث تحترق، أبشع مناظر الموت أبرزتها آلة إسرائيل العسكرية، بل وتفننت بها بامتياز.
وكل هذا القصف العنيف والأرواح التي تحصد بالمئات يومياً ما هو إلا من أجل فك أسر الجنديين الإسرائيليين لدى حزب الله. أيعقل هذا؟! لكن صور المشهد اللبناني تقول غير ذلك.
إن ما تقوم به إسرائيل اليوم في حق لبنان وأراضيه ومن قبله فلسطين هو أقرب ما يكون إلى مجازر منظمة تحصد الأرواح اللبنانية والتي وقف العالم العربي أمامها صامتاً ولا يستطيع أن يحرك ساكناً.
ورغم المجازر الإسرائيلية المنظمة فإن الكثير من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية الداعم الأول لإسرائيل وسياساتها التعسفية، اعتبرت أن ما تقوم به إسرائيل هو حق مكتسب لها في دفاعها عن نفسها.
و مع سلوك إسرائيل العدواني لم يلجأ العرب إلى استخدام طريق العنف أو الحرب يوماً بل نبذوه لكن إسرائيل بممارساتها الوحشية أججت نار العنف التي أجهضت كل الجهود السياسية الساعية إلى التوصل لحل سياسي سلمي عادل يفض النزاع العربي ـ الإسرائيلي. مما لم يترك في تفكير العرب سوى منطق ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.
لقد زعم قادة الدولة العبرية أن هذه العمليات العسكرية تهدف بالأساس إلى إرجاع الأسيرين سالمين بالإضافة إلى التخلص من هيمنة حزب الله على حدود لبنان الجنوبية، ولذلك أعطت إسرائيل الحق لنفسها بأن تطبق بالقوة العسكرية القرار الدولي 1559 الصادر من مجلس الأمن والقاضي بعدة بنود أهمها جلاء القوات السورية من الأراضي اللبنانية إضافةً إلى نزع سلاح الميليشيات العسكرية في لبنان (سلاح حزب الله).
وقد اختارت إسرائيل من خلال تبنيها المنطق الأعوج ترجمة هذا القرار إلى حربٍ همجية على لبنان. وكان الأحرى بإسرائيل تطبيق القرارات الدولية الأخرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية قبل أن تخول نفسها الحق في تنفيذ القرار 1559 عن طريق الحرب.
لكن مسيرة هذه الحرب الطاحنة على لبنان لا توحي بأي شيءٍ من ذلك لأن حجمها يتخطى مسألة أسر الجنديين بكثير. وما هذا الاعتداء على لبنان إلا خطوة أولية لبداية تنفيذ مشروع استعماري جديد لتركيع العرب في منطقة الشرق الأوسط، تنوي من خلاله إسرائيل اغتصاب المزيد من الأراضي العربية. وللأسف فإن الخاسر الوحيد والمتضرر الأول في هذه المعادلة الصعبة هم الشعوب التي تنزف من جرحها شهداءً وأبرياء.
إن لبنان اليوم يواجه أبشع آله عسكرية عرفها التاريخ، فهي على ضخامة حجمها وتطورها لا تستطيع العمل إلا على دماء الأطفال. وقد جاء الموقف السياسي الأميركي الصارخ يقدم الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري المطلق للدولة العبرية.
فلهذا يمكننا القول إن الحرب التي تقوم بها إسرائيل اليوم في الأراضي اللبنانية ليست حرباً إسرائيلية بل هي حربٌ أميركية التخطيط ذات تنفيذ إسرائيلي على أرض الواقع. وفي ظل هذه الأجواء العنيفة سياسياً أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن ولادة المشروع الاستعماري الجديد (الشرق الأوسط الجديد)، المشروع البديل ليحل محل النظام الإقليمي العربي الذي أثبت التاريخ هشاشته واهتراءه.
وهذا المشروع الجديد يضم،كما أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، مرحلة جديدة ستنتج عن مخاض صعب كما يحمل في طياته تغيراً جذرياً لشكل منطقة الشرق الأوسط، ويهدف بالدرجة الأولى إلى القضاء بصورةٍ نهائية على أي نوع من أنواع المقاومة العربية المشروعة.
ومن خلال تدشين أميركا لمشروع الشرق الأوسط الجديد تظهر نواياها في أن تكون المرحلة القادمة هي مرحلة تختفي فيها كلمة (لا) من قاموس العالم العربي وأن يحل محلها تنفيذ المخططات الصهيو ـ أميركية لتعزيز مكانة الكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط مما يجعله مؤهلاً وقادراً في الوقت نفسه على حمل لواء وقيادة منطقة الشرق الأوسط.
ومع كل ما حدث وتعرض له لبنان الحبيب وفلسطين الصامدة من عذاب وجراح لا تعرف الالتئام، فماذا فعل العرب؟ نادى لبنان بأعلى صوته صارخاً مستغيثاً إلى من ينتمي إليهم في العالم العربي. لا أحد يجيب، ولم يسمع لبنان سوى صوت الصمت.
إن الصمت الذي يتبناه معظم العرب على ما يقوم به الكيان الصهيوني من ممارسات غير إنسانية، هو في الحقيقة قرع لباب الخطر على الأمن القومي العربي. فما تقوم به إسرائيل في لبنان وفلسطين ما هو إلا دليل على زمان الوهن عند العرب.
جامعة الإمارات / قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com
