نحتاج في هذه الفترة من حياة شعوبنا العربية إلى مناقشة هادئة لمسألة الديمقراطية في دولنا. ولدينا مجموعة من الأسئلة الحائرة التي تنتظر الإجابة. أولها: هل لدينا تجارب ديمقراطية حقيقية في بعض دولنا العربية؟ وهل السلطات في الدول العربية تؤمن بأن الديمقراطية نهج لمصلحتها ومصلحة شعوبها؟

وهل القوى السياسية والاجتماعية في دولنا العربية تفهم وتمارس الديمقراطية؟ وأكثر من ذلك هل إنساننا العربي أو طلائعه المثقفة ديمقراطية في فهمها وممارستها؟

الموضوع يحتاج فعلاً إلى وقفة تأمل ونقد للذات لا تجامل ولا تخاف في قول الحقيقة. نتحدث كثيراً عن الديمقراطية ونرفعها شعاراً ونمارس ما هو ضدها. فما هي الديمقراطية أولاً؟

إنها المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وهي الحرية والتعددية وتداول السلطة والاعتراف بالآخر. فماذا عن هذا الفهم وتطبيقه في دولنا العربية على المستوى الرسمي والحزبي والثقافي والشعبي العام؟ ودائماً نبدأ بنقد السلطة كونها صاحبة القرار وبيدها مفتاح الخروج من الأزمات.. إلخ.

لكن نحن نريد أن نمارس النقد هنا على أنفسنا ولا نبرئ السلطات من لعب الدور السلبي في كثير من الأحيان في تعطيل الديمقراطية أو إفراغها من محتواها التقدمي. ودعونا هنا نمارس بعض النقد لاتجاهين أو مجموعتين يُفترض أنهما يؤثران في مسيرة شعوبنا في عصرنا هما: المثقفون والأحزاب السياسية.

ـ المثقفون أولاً: المثقف، هذا الإنسان المنتج ذهنياً والمبدع الذي حمل على عاتقه همّ الشأن العام وقضايا مجتمعه. نجده يعيش أزمة حقيقية في عصرنا تتمثل في رومانسيته، واجتراره أفكار الماضي، وازدواجيته، وفكره التسلطي، ومع ذلك لا يكلّ أو يمل من الحديث عن الديمقراطية والتقدم!

نستطيع أن نتعرف على أفكار ورؤى المثقف العربي من خلال كتاباته وحواراته في المؤتمرات، وحصيلة ما يطرح مكرر ونخبوي يلجأ إلى تثقيف المثقف وليس عامة الناس، ومتسلط في رأيه ولا يقبل النقد، وليس لديه مشروع للنهضة، ولا يساهم في إيجاد فكر تنويري في مجتمعه، وفي حياتنا المعاصرة. وتجد أسماء المثقفين ومنذ أكثر من ثلاثة عقود تتكرر في المنتديات والصحافة والمؤتمرات، وقد فشل المثقفون في إيجاد الجيل الثاني والثالث من المثقفين على الرغم من الظروف المهيأة لذلك في عصرنا.

يعيش المثقف لدينا حالة من الفردية والنرجسية والفوقية والازدواجية في كتاباته وآرائه، ينتقد السلطة لأنه يريد أن يكون بديلاً عنها أو يريد موقعاً فيها.

لذلك رأينا كثيراً من المثقفين عندما وصلوا إلى السلطة أو مواقع فيها مارسوا عكس ما كانوا ينادون به ويكتبون عنه عندما كانوا خارج تلك المواقع، وربما يعودون إلى النقد بعدما تتخلى السلطة عنهم. في بلداننا العربية عدد من المثقفين الذين يعيشون ازدواجية تنم عن تخلف معتق، فهو يتحدث عن الديمقراطية ليلاً نهاراً وتعجّ أقواله وكتاباته بها وعنها ثم يقف مع أنظمة ديكتاتورية تسلطية ويبكي على سقوط بعضها سراً وعلانية!

مبرراً موقفه بأنه يقف مع ديكتاتور مستنير أو ضد عدوان أجنبي، وأنا وأخي على ابن عمي و«أنا وابن عمي على الغريب». أمر عجيب أن يلجأ أدعياء الثقافة والديمقراطية إلى التبرير تلو الآخر ويجدون صدى لما ينظرون له لدى المثقفين، لكن ذلك أمر طبيعي إذا فهمنا حقيقة هذه الفئة التي تعيش كلها الأزمة نفسها، عندها لا غرابة في أن تسمع تلك التبريرات لأنها نفسها تستخدمها في مواقفها ورؤاها.

ـ الأحزاب والتيارات السياسية: بإلقاء نظرة على تاريخ الأحزاب والتيارات السياسية في العالم العربي نجدها في الغالب لا تمارس الديمقراطية داخلها وفي علاقتها مع الآخر، وتدعو للديمقراطية! هل نتجنى عليها عندما نقول إنها عشائرية وطائفية ومتخلفة تسعى للسلطة والتسلُّط؟

انظروا إلى ممارسة أغلبها في عدد من الدول العربية، وتمنع الرقابة الذاتية لدينا الحديث عن أسماء أحزاب بعينها وزعامات معينة في بلدان عربية معينة، وإن اللبيب بالإشارة يفهم. ألم تكن سبباً في كثير من مآسي شعوبنا وحروبها الأهلية؟ ومن استلم السلطة منها كان أكثر دموية وديكتاتورية من سابقه.

واليوم نقول إن مقوماً من مقومات الديمقراطية يجب أن يكون الاعتراف بالأحزاب السياسية ودورها في إطار التعددية وتداول السلطة. لكن ما هي نوعية الأحزاب لدينا، وهل هل أولاً تؤمن بالديمقراطية وتمارسها حتى نقتنع بها في الديمقراطية المنشودة؟

طبعاً هناك من يقول نحن نتحدث عن المبدأ وليس عن أحزاب بعينها، لكن هل يبقى الموضوع في إطار الحديث عن المبدأ فقط نظرياً وإلى متى؟ ثم عندما تحين الممارسة الفعلية دستورياً وقانونياً وسياسياً، أليست الأحزاب القاتمة التي سيجري التعامل معها ديمقراطياً هي الأحزاب التي تحمل إرثاً من الممارسة اللاديمقراطية؟

لقد شهد عالمنا العربي مثقفين أشد قسوة ومعاداة للثقافة عندما تولوا مواقع سلطوية، وشهد كذلك قيادات حزبية متسلطة وديكتاتورية عندما استلمت السلطة، كانت تنادي بالإصلاح والحرية والديمقراطية كشعارات وخلال عملها السياسي قبل وصولها إلى السلطة.

ليست هذه دعوة للعدمية والإحباط، ولكنه كلام حاول تشخيص الواقع لبلورة رؤية نقدية قد تجد مخرجاً لما نحن فيه من عبث وتخبط وضياع وتأخر خطير في وجود مشروع لنهضة هذه الأمة.

كاتب كويتي