تعود وزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس الى المنطقة فيما الوضع يزداد اشتعالا في الحرب الدائرة بين حزب الله اللبناني واسرائيل ، وفي غياب رؤية واضحة للكيفية التي يمكن ان يكون عليها اي حل مؤقت او دائم فان الوزيرة التي ظهر رئيسها جورج بوش وكأنه يتولى القيادة في هذه اللحظات نيابة عن رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ستجري مشاورات على ارض الواقع للبحث عن نقطة التقاء تحت عنوان لا غالب ولا مغلوب.
بكل المعايير يظهر سوء تقدير الادارة الاميركية للوضع في المنطقة لانها بقيت طوال الوقت اسيرة العناوين المغلوطة التي وضعتها مؤخرا وقسمت الفرقاء الى حلفاء واعداء بعد ان تخلت عن الحد الادنى من دور الوسيط او الراعي لعملية السلام في الشرق الاوسط ، وركزت على ان اسرائيل حليف استراتيجي يتكامل وجودها مع وجوده ويكتمل حلفهما معا في الحرب المعلنة والخفية على حد سواء.
لم تظهر الولايات المتحدة من قبل رغم تأييدها المطلق لاسرائيل على هذا الشكل من العداء المباشر للحقوق العربية ، ذلك ان موقفها لا يأخذ في الاعتبار البعد الانساني ولا من باب احترام حقوق الانسان فضلا عن المعاهدات الدولية ، وقد ايدت وربما شجعت على عدم وقف اطلاق النار رغم انها ترى وتسمع المذابح الجماعية وجرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل في فلسطين ولبنان ، حتى انها لم تفكر في اخفاء نبأ ارسال القنابل الذكية لاسرائيل بسبب عدم اكتراثها بالضحايا المدنيين ولا بسمعتها في العالمين العربي والاسلامي.
في المرة الاولى جاءت رايس لكي تشرح وجهة نظر الادارة تجاه حزب الله ، ورغم ما قيل لها في كل مكان وصلت اليه بشأن ضرورة وقف الحرب من اجل اعطاء الفرصة للحلول السياسية فان الفكرة الوحيدة التي ظلت تدور في رأسها هي القضاء على حزب الله وجعل اللبنانيين جميعا يدفعون ثمن توجيه الصواريخ الى المناطق الاسرائيلية .
ومع ان القادة الاسرائيليين الذين يحتفظون بذاكرة قوية عن الحرب في الجنوب اللبناني مالوا بعض الشيء الى حلول تحفظ ماء وجههم امام شعبهم الذي تتساقط عليه القذائف شأنه في ذلك شأن الفلسطينيين واللبنانيين الا الوزيرة الاميركية التي تحتفظ بذكريات من منصبها السابق كمستشارة للامن القومي ارادت ان تدير الحرب بدل ان تدير الدبلوماسية ففشلت في الاثنتين معا حتى الان.
الان تود رايس مرة اخرى لكي تدير الصراع بطريقة اخرى حيث اختلت الحسابات بسبب تجاوز المدة المتوقعة لامد الحرب والقدرة المتجددة لدى حزب الله لضرب مزيد من المدن الاسرائيلية وتصديه العنيد للقوات البرية الاسرائيلية في عملياتها المحدودة في بعض مدن الجنوب ، وامام بقاءالغارات الجوية من دون تمييز هي الوسيلة الاكثر تدميرا وتعبيرا عن الحقد والنذالة معا فان الحيوان المدلل يزداد شراسة بحيث يقضي على سمعة صاحبه بشكل قاطع.
هل تستطيع او هل تريد رايس ان تخرج من المأزق؟ هذا ما سنعرفه خلال الساعات القادمة ، ومع ذلك فان الدلائل تشير الى ان الحسم العسكري سيكون فادحا الى درجة لا تحتمل ، اي الى درجة قد تضع نهاية لمرحلة تاريخية بأكملها وتؤسس الى الاسوأ من الاحتمالات المتوقعة ، ولذلك فان الهدنة قد تبدو حلا مناسبا لجميع الاطراف ، وفكرة لا غالب ولا مغلوب قد تعجب جميع الاطراف في هذه المرحلة على وجه التحديد ، والا فان الثمن سيكون باهظا على الجميع ايضا.