أسبوعان مرّا على هذه الحرب التدميرية على لبنان إذ تخوض إسرائيل حرب استكمال انسحابها عام 2000 من لبنان، وقد انطلقت أخيراً العملية الدبلوماسية الدولية في صيغ مختلفة ومن خلال الأفكار والمقترحات والأوراق المطروحة لجسّ النبض ورزم الحلول وسلال التسوية.
بعض هذه تطرح كصفقة مترابطة ومتكاملة العناصر وبعضها الآخر يتحدث عن المرحلية في التنفيذ وبالتالي في كيفية الربط بين هذه المراحل، وبعضها الآخر يعكس الأولويات في المقترحات ضمن رزم الحل.
بدأت الحركة الدبلوماسية واختلطت عملية التسوية بأصوات المدافع الإسرائيلية. يحصل ذلك كله فيما يتأجل وقف إطلاق النار ويستمر الدمار. أي توازن ستستقر عنده هذه الحرب عندما ستتوقف وما هي شروط توقفها وأي استقرار سيتأسس على هذا التوازن؟ هل نحن في مواجهة يحكمها المنطق المعروف بلعبة محصلتها صفر أي أمام منطق انتصار وانكسار كلي كما يحدده اللاعبون؟
هذه هي الأسئلة الراهنة. ولا بد أن نتذكر أن الازدياد الكبير في درجة الاحتقان في الحروب الباردة وتلك القائمة بالوكالة، الحروب الدولية الإقليمية والعربية الإيرانية والعربية ـ العربية، دفع إلى إشعال هذه الحرب التي أرادها البعض صمام أمان لمنع حروب عليه، والتي قد تؤدي نحو انفجار الحروب والصراعات الأساسية والجانبية في الشرق الأوسط الكبير.
فلا الحسم العسكري ممكن ولا الحسم السياسي ممكن أيضاً عند الطرفين المتصارعين على الأرض: إسرائيل وحزب الله، باعتبار أن الصراع الأشمل الذي يندرج ضمنه الصراع العسكري، هو صراع استراتيجي أميركي ـ إيراني يلقي بثقله الكلي على الصراع الجاري على الأرض.
صراع استراتيجي يرفده خطاب عقائدي تعبوي حامل لأهداف الغائية: الرئيس الإيراني يدعو مجدداً لشطب إسرائيل، وهو كلام يلاقي صدى إيجابياً على الصعيد العربي في مناخ القتل والدمار الإسرائيلي ويهدف إلى إحراج وإرباك من لا يتبنى هذا الشعار ومن لا يلتصق كلياً وتلقائياً بالقطب الإيراني.
فيما واشنطن تقود حرب «استئصال الإرهاب» ضد الهدف الخطأ وفي المكان الخطأ وفي الزمن الخطأ، وتساهم بسياستها في مثلث بغداد وغزة وبيروت في ضخ مزيد من الراديكالية في العالم العربي التي قد تتحول عند البعض ومع الوقت إلى مصنع للإرهاب.
كل ذلك يجري فيما تستمر إسرائيل وأمامها ضوء أخضر في محاولة إلغاء لبنان كلياً من خلال التدمير المنهجي لبنيته التحتية والاقتصادية والاجتماعية. إنه صدام لأيديولوجيات اللاسياسة في زمن يفترض أن تمر فيه كل التسويات الشرعية وبالتالي الدائمة بالعودة إلى السياسي.
لن تستطيع إسرائيل إلغاء حزب الله عسكرياً بالضربة القاضية، فهو ليس جيشاً نظامياً وهو جزء أساسي في نسيج اجتماعي ووطني. ولن يستطيع حزب الله حسم المعركة سياسياً من خلال إعادة إحياء الستاتيكو الذي كان قائماً حتى يوم 12 يوليو، وفرض قبوله على إسرائيل وعلى الوضع الدولي، خاصة أن الستاتيكو الماضي يحمل احتمال العودة إلى الحرب المفتوحة، كما أنه لا يعالج مسببات وتداعيات الكارثة التي حلّت.
بإمكان لبنان، أو يجب أن يمكن لبنان، في إطار العملية الدبلوماسية الجارية أن يدفع باتجاه بلورة ستاتيكو جديد يحظى بشرعية وطنية ودولية ويوفر له الأمن والضمان المطلوبة لحياة طبيعية، فالانخراط الدبلوماسي الفاعل للبنان إذا ما توافر التوافق حوله.
وهو توافق لا يمكن أن ينتظر بشكل مفتوح حوارات وطنية تبقى مطلوبة وضرورية، وتوافق على إمساك الدولة بالقرار، قرار الهدنة والحرب والسلم، وبلورة استراتيجية عمل تقوم على التمسك بمواقف تستند إلى الشرعية الدولية وتلتقي مع توفير الاستقرار المنشود والذي يحظى بدعم دولي. تحقيق ذلك لابد أن يستند إلى العناصر التالية:
ـ أولاً، لا يمكن لأي وقف إطلاق نار أن يصمد إذا استمر لبنان صندوق بريد لرسائل صراعية في جميع الاتجاهات وخط مواجهة ساخناً أو جاهزاً للتسخين لحروب الواسطة ولحروب بديلة، لتسديد فواتير ماضية أو لتحصيل فواتير قائمة، أو لإعادة تموضع بشكل أفضل في دبلوماسية الصراعات في الشرق الأوسط.
ـ ثانياً، حتى لا يكون وقف إطلاق النار مجرد مرحلة انتقالية نحو انفجار جديد أو استراحة محارب، يصبح من المطلوب بلورة سلة الحل الشامل اللبناني. الحل الذي يهدف إلى معالجة مسببات التفجير على المسار اللبناني الإسرائيلي والعودة إلى تثبيت خط الهدنة التي تنظم العلاقات اللبنانية الإسرائيلية في غياب السلام. السلام الذي يأتي في إطار الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي.
ـ ثالثاً، إنه لا يجود التشكيك بمصداقية دور مطلوب لقوة أمم متحدة بسبب الدور السابق والمستمر لقوات الطوارئ في جنوب لبنان، لأن ظروف دور هذه الأخيرة أو تحديداً غياب دورها وتحولها إلى دور متفرج، قد انتهت. ولن يتم التجديد التلقائي لها في هذا الخصوص،إلا في إطار تمديد قصير إلى حين إنشاء قوة دولية بمهام جديدة. المطلوب إذا لم تكن هنالك قوة دولية في إطار الأمم المتحدة.
وليس قوة أممية خارج الأمم المتحدة، لأن قوة من هذا النوع تساهم في إذكاء الصراعات الإقليمية في لبنان، قوة أمم متحدة تحفظ الاستقرار وتحافظ عليه ضمن إطار يقوم على الالتزامات المتساوية والمتقابلة والمتبادلة بين لبنان وإسرائيل. قوة تمنح جميع أنواع الخروقات مع نزع فتيل التوتير المستمر.
سواء في شبعا المحتلة أو في خرائط الألغام التي لم تُسلَّم بعد إلى لبنان أم في بقاء الأسرى اللبنانيين. المطلوب قوات دولية لحفظ خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل، وفعالية ومصداقية هذه القوات تنبع مع مصداقية الرسالة التي يوجهها مجلس الأمن حول تشكيلها إلى جميع المعنيين الإقليميين، رسالة يجب أن تحمل روادع وحوافز بضرورة إقفال صندوق البريد العسكري الأمني، لأن ذلك في مصلحة الجميع.
رسالة تقول إن إبقاء الصندوق مفتوحاً يحمل مخاطر على الجميع ولو في أوقات مختلفة. فالحل الشامل بهذا المفهوم على المسار اللبناني ـ الإسرائيلي، قد يشكِّل مدخلاً للحل الشامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي.
لكن لا يمكن ولم يعد من الجائز أن تعكس الأمور حتى ينتظر الحل الشامل اللبناني، الحل الشامل العربي ـ الإسرائيلي، باعتبار أن هذا الانتظار قد يؤدي إلى الدمار الشامل للبنان.
كاتب لبناني