«إنه المخاض لشرق أوسط جديد »®. هكذا بشرتنا الآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية وهي تؤكد على ما تراه الإدارة الأميركية بأن الوقت لم يحن لوقف إطلاق النار في لبنان وأن على إسرائيل أن تواصل مهمتها في تدمير ما تبقى من لبنان وتوسيع المذبحة التي تحصد الأطفال والنساء تحت زعم الحرب ضد «إرهاب» حزب الله.
ولعلها المرة الأولى التي نرى فيها بعض أركان الحكومة الإسرائيلية نفسها يبدون «التململ» من استمرار الحرب خوفاً من نتائجها المدمرة على إسرائيل بينما الإدارة الأميركية تضغط بكل قوتها من اجل أن تستمر إسرائيل في عدوانها الوحشي وتبذل كل جهودها من اجل تعطيل مجلس الأمن ومن أجل ضمان تأييد أوروبا للعدوان الوحشي ومن أجل فرض الصمت العاجز (في أفضل الأحوال!) على النظام العربي الذي رضي بالعجز وخاف من الفضيحة فصرف النظر عن اقتراح عقد القمة ووقف يتفرج على ما يجري أو تحول الى منظمة خيرية تكتفي بجمع المعونات لضحايا العدوان!!
الحرب المعلنة على لبنان بكل همجيتها ونازيتها هي حرب أميركية وإسرائيل هي أداة أميركا لتنفيذ ما أرادته من تدمير كامل للبنان لتستأنف مسيرتها «المقدسة» من اجل إعادة رسم خريطة المنطقة وفقاً للمصالح الأميركية وهو الهدف الرسمي المعلن للسياسة الأميركية منذ انطلقت الحملة لتدمير العراق وتقديمه نموذجاً لمستقبل العرب في إطار «الشرق الأوسط الكبير»®.
أو «الواسع»®. أو « الجديد» وفقاً لآخر التجليات التي أعلنتها الآنسة كوندوليزا رايس وهي تؤكد استمرار العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على لبنان بينما وزارة الدفاع الأميركية تعلن عن سرعة تسليم شحنة جديدة من قنابل الليزر الذكية لإسرائيل لأن حجم التدمير الذي قامت به حوالي خمسة آلاف غارة جوية إسرائيلية لا يكفي علماً بأن ما القي من قنابل على لبنان في أسبوع واحد يفوق في حجم التدمير ما القى على العراق أثناء الغزو الأميركي له !!
لو كان الأمر بيد إسرائيل وحدها لكان رد الفعل على ما لحق بجيشها من مهانة في واقعة أسر الجنديين على يد حزب الله هو استهداف قواعد الحزب ومحاولة النيل من قياداته ولكانت حملة التدمير الواسعة قد انصبت على الجنوب ولكانت قد استغلت التأييد الأميركي والأوروبي وبعض المواقف العربية الرسمية في محاولة حصار الحزب ودفع باقي القوى اللبنانية لحسم قضية سلاح حزب الله المعلقة.
وبالفعل فقد تهيأت قوى 14 آذار للعب هذا الدور وسارعت تطلب محاسبة حزب الله على «مغامرته» وتعلن رفضها ان يكون قرار الحرب والسلام في يد أي فصيل بمفرده وذلك قبل أن تدرك أن المؤامرة أكبر من أسر جنديين ومن انتقام إسرائيلي لهيبة مفقودة أن قرار الحرب والسلام ليس في يد حزب الله ولا الحكومة اللبنانية بل ولا إسرائيل كما يبدو من الوهلة الأولى ولا إيران كما يردد البعض..
وإنما القرار في يد أميركا والحرب ليست عقاباً على أسر جنديين وإنما هي خطوة مطلوبة على طريق «الشرق الأوسط الجديد» الذي يمتد من موريتانيا حتى أفغانستان والذي يستهدف السيطرة الكاملة على بترول المنطقة واستخدامه في صراع سوف يشتد مع المارد الصيني القادم بقوة وإقامة حاجز يمكن استخدامه في وجه أي تحالف قد يحدث بين الصين وروسيا حتى لا يمثل خطراً على هيمنة الولايات المتحدة واستمرارها كقوة أعظم تتحكم في مصير العالم وترفض أي تهديد لهذه السيطرة بل وتعطي لنفسها الحق في توجيه «الضربات الاستباقية» لأي قوة تتحدى استمرار تفوقها وهيمنتها.
الشرق الأوسط الجديد «المتسع سابقا» وفق تصور العصابة اليمينية الصهيونية المسيطرة في أميركا يتسع لقوى إقليمية تتفق مصالحها مع المصالح الأميركية وتأخذ نصيبها من الغنيمة ولا بأس في ذلك أن تنضم باكستان وتركيا الى إسرائيل كقوى مساعدة للولايات المتحدة في السيطرة على المنطقة وإيران ـ وفقا للرؤية المتحكمة في القرار الأميركي ـ لها مكانها ومن هنا فإن الأفضل لأميركا ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ أن تقوم بتغيير النظام الإيراني من الداخل دون تحطيمه حتى لا ينشأ فراغ شبيه بما حدث في العراق يقود المنطقة الى فوضى قد تكون «غير خلاقة» هذه المرة !!
الشرق الأوسط الجديد كما يراه اليمين الصهيوني المسيحي الأميركي يتسع لقوى لها دورها في المنطقة ولكنه لا يتسع لقوة عربية بأي حال من الأحوال بل يقوم في الأساس على إلغاء العروبة وتقسيم الكيانات العربية القائمة الى وحدات صغيرة تقوم على التمييز الديني أو العرقي أو حتى يعود بالمنطقة الى التقسيم القبائلي.
ولقد تم تقديم «النموذج» في العراق ومازال البعض يتصور أن ذلك حدث بطريق الخطأ وليس بطريق العمد ولعل هؤلاء يدركون الحقيقة المرة وهم يرون «النموذج» العراقي ينتقل الى لبنان.. بالتدمير الشامل الكامل أولا ثم بمحاولة فرض التقسيم الذي قاومه لبنان طويلاً ومازال رغم المذابح والتآمر الدولي والعجز العربي يواصل المقاومة.
«النموذج» العراقي الذي يتم تطبيقه بالتوازي في فلسطين على يد النازيين الجدد والذي يتم تطبيقه الآن في لبنان بشراكة كاملة بين واشنطون وتل أبيب لن يتوقف عند ذلك ولن تكون هناك عاصمة عربية بعيدة عنه. والعقيدة الصهيونية اليمينية التي تحكم البيت الأبيض الآن قالت علناً إن سوريا ستكون محطة على الطريق وإن السعودية هي نهاية المطاف. أما مصر فهي «الجائزة الكبرى» في هذا المخطط للشرق الأوسط الجديد.
وفي هذا المخطط لن تكون إسرائيل وحدها كنقطة ارتكاز رئيسية بل ستكون معها قوى إقليمية هي نفسها التي شاركت في المخططات الأميركية لضرب التوجه القومي العربي على مدى خمسين سنة. إنها القوى التي شاركت قبل نصف قرن في حلف بغداد وفي الحلف الإسلامي وغيرها من الأحلاف التي قامت لتضرب حركة النهوض العربية في ذلك الوقت.
أما العامل الجديد فهو «حلف الناتو»®. فأميركا لا تريد أن تكون قواعدها في المنطقة أهدافاً مكشوفة للرافضين لوجودها. وهي ترى أن وجود قوات حلف «الناتو» في المنطقة مع صيغة لمشاركة الدول العربية وإسرائيل سوف يزيح عنها عبئاً كبيراً وفي الوقت نفسه سوف يضمن لها الهيمنة الكاملة على المنطقة بأقل التكاليف. وأوروبا لا مانع لديها إذا كان هذا سيوفر لها حائط صد يمنع تصدير «الإرهاب !!» من المنطقة والأهم أن يمنع تصدير اللاجئين والهاربين من فقر «الجنوب» الى أوروبا التي لم تعد بحاجة إليهم.
ويبقى السؤال المهم: وأين العرب من كل ذلك؟ أين هم من العراق وفلسطين ولبنان وما يستجد من ضحايا «الفوضى الخلاقة» التي وعدت بها أميركا في فترة المخاض من أجل الشرق الأوسط الجديد! أين هم من فوائض البترول التي ينبغي أن تذهب لإعادة تعمير ما تدمره الحرب الأميركية الإسرائيلية بدلاً من أن تذهب للنهوض بالأمة!
أين هم من حالة العجز التي جعلت النظام العربي ينتظر ربع قرن ليعلن ما يعرفه العالم أجمع من أن عملية السلام قد ولدت ميتة والتي تجعل هذا النظام يقف عاجزاً وهو يتابع مشاهد تنفيذ المخطط الأميركي لشرق أوسط جديد لا مكان فيه للعرب إلا بعد أن يتوبوا عن عروبتهم ويقبلوا تقسيم أوطانهم ويدخلوا رعايا شيعة أو سنة أو أكرادا أو امازيخ.. الخ!
و.. للذكرى فقط. قبل خمسين عاما كان الوضع العربي أسوأ وكانت معظم الأرض العربية من الخليج إلى المحيط تحت الاحتلال المباشر وكانت الثروات العربية منهوبة وكانت مشاريع الأحلاف الأميركية للسيطرة على المنطقة برسم التنفيذ بمشاركة قوى عربية إقليمية. وكانت الضغوط تتوالى على مصر لكي ترضخ لهذه المخططات..
منعوا عنها السلاح وأطلقوا الغارات الإسرائيلية ومارسوا الضغوط السياسة والاقتصادية وسحبوا تمويل السد العالي. ثم كانت القنبلة التي قلبت كل الموازين حين أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس لتكون معركة كتبت كلمة النهاية للإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية وفتحت أبواب الحرية والاستقلال لكل العرب واستعادت السيطرة على ثرواتنا المنهوبة والاهم من ذلك كله أنها أعادت اكتشاف شيء عزيز اسمه «الكرامة العربية» بعد سنوات طويلة من الذل والهوان.
خمسون عاما تمر ونجد أنفسنا وسط بحر الدماء العربية المتفجر من العراق الى فلسطين الى لبنان وأمامنا الأسئلة نفسها التي عثرنا على الإجابة الصحيحة عنها قبل نصف قرن ثم ضاع منا الطريق أو ضيعناه !!
نقيب الصحافيين المصريين
