تحفّز التجربة اللبنانية في مواجهة الحرب الإسرائيلية الجارية عقد نوع من مقاربة بينها وبين التجربة الفلسطينية (إذا جاز التعبير)، سواء في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف العام 1982، أو في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للضفة والقطاع المحتلين، منذ أواخر مارس 2002 حتى الآن.

واضح أن هذه المقاربة تثير بداية مسألتين أساسيتين، أولاهما الصمود الذي يبديه مقاتلو حزب الله في وجه الهجوم الإسرائيلي العنيف. ثانياً، قدرة هذا الحزب على توجيه ضربات أليمة إلى عمق إسرائيل، التي كانت سحبت قواتها من الأراضي اللبنانية المحتلة (2000) تحت ضغط المقاومة (عدا مزارع شبعا).

ويبدو أن هذه المقاربات غالباً ما تنطلق من فرضية التشابه بين هاتين التجربتين في مواجهتهما العدو (ذاته) والأرض ذاتها، والظروف الصعبة المحيطة بهما (إقليمياً ودولياً)، وهي تحيل الفارق بين هاتين التجربتين، أو أسباب النجاح هنا والإخفاق هناك، بأسباب عدة أهمها: أولاً، تمسك حزب الله بالمقاومة المسلحة مقابل انتهاج التسوية السياسية بالنسبة للقيادة الفلسطينية.

ثانياً، تركيز المقاومة في لبنان على العدو الإسرائيلي مقابل تشتت اهتمامات المقاومة الفلسطينية. ثالثاً، جذرية قيادة حزب الله إزاء ضعف ثورية القيادة الفلسطينية، التي باتت تتحمل مسؤولية الإخفاق في إدارة الوضع الداخلي، وفي الصراع مع العدو الإسرائيلي.

ولعل المعضلة الأساسية لتجربة المقاومة الفلسطينية تكمن في أنها نشأت وتطورت خارج أرضها وشعبها (فلسطين المحتلة)، ما أدخلها في حسابات وحساسيات وصراعات مع عديد من السلطات العربية التي كانت ترى فيها عملاً خارجاً عن إرادتها السياسية وتهديداً لسيادتها وتعكيراً لأمنها وتوريطاً لها في حال صراعية مع إسرائيل هي بغنى عنها لسبب أو لآخر.

أما المقاومة اللبنانية فنشأت على أرضها وبين شعبها وكان ثمة تساوق بين الدولة والمقاومة أضفى على هذه الأخيرة شرعية مكنتها من حرية الحركة (تسلح وإمداد ونشاط).

وقد تمتعت المقاومة اللبنانية بقاعدة آمنة جغرافيا وبشريا وسياسيا، وقد تفرد حزب الله بإدارة الصراع مع إسرائيل، وحظي بدعم استراتيجي ثابت من دولتين إقليميتين (سوريا وإيران). وفي كل هذه الميزات الإستراتيجية ثمة فارق كبير لصالح المقاومة اللبنانية مكنها من تركيز نضالها ضد إسرائيل.

في حين خضعت المقاومة الفلسطينية لضوابط مختلفة ولسلطات متعددة ولحسابات وتدخّلات معقدة، استنزفت من جهدها وقيّدت حريتها في الصراع ضد العدو الإسرائيلي من جهة، كما من مدى تحكمها بأوضاعها وقراراتها الداخلية من الجهة الثانية.

من جانب آخر فإن اعتبار الصراع العربي ـ الإسرائيلي مكوناً رئيساً للشرعيات والسياسات العربية، خلال العقود الماضية وإلى مطلع التسعينيات، جعل من القضية الفلسطينية، وهي أبرز مظاهر هذا الصراع، موضوعا للانشغال العربي بكل ما لذلك من آثار سلبية وإيجابية.

وقد بات واضحا الآن بأن هذا الانشغال كان يحجب غالبا، وبغض النظر عن الادعاءات، واقع السيطرة على الصراع مع إسرائيل، وهو الوضع الذي لم يكن بإمكان الفلسطينيين التقرير فيه وحدهم بخاصة في ظل الظروف التي يعملون فيها من خارج أرضهم. أما الصراع ضد إسرائيل في بعده اللبناني فلم يتخذ هذا البعد الشمولي لمحدودية تأثيراته الإقليمية والإسرائيلية، برغم حيوية التجربة اللبنانية وغناها.

وينبغي لفت الانتباه هنا إلى أن المقاومة اللبنانية استمدت مشروعيتها الدولية والإقليمية من التزامها حدود الشرعية الدولية، المتمثلة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، في حصرها بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، بغض النظر عن معتقداتها الفكرية أو السياسية/ النظرية.

وهو الأمر الذي يتناساه غالبا معظم المتابعين والمحللين. وبعد التحرير تم مجددا تأكيد الالتزام بعدم مهاجمة إسرائيل (أو الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948) واستثني من ذلك التمسك بحق المقاومة في تحرير مزارع شبعا، والعمل من أجل تحرير الأسرى من السجون الإسرائيلية.

في حين أن المقاومة الفلسطينية، التي كانت تعمل من الأراضي اللبنانية حتى العام 1982، أو من الأراضي الفلسطينية المحتلة، كانت وظلت تستهدف تقويض الأمن الإسرائيلي ذاته وصولا لفرض وجود الشعب الفلسطيني على الخارطة السياسية وتحصيل حقوقه الوطنية الأمر الذي رأت فيه إسرائيل خطرا يهدد وجودها وأمنها ويمس بمستقبلها.

الآن، بغض النظر عن بعض سلبيات أو مداخلات المقاومة الفلسطينية في لبنان التي لم تحظ بشرعية رسمية ولا إجماع شعبي، بسبب ظروف لبنان الخاصة وهو ما أضعف وضعها وشتت قدراتها، فإن هذه المقاومة استطاعت خلخلة الأمن الإسرائيلي والصمود أمام اعتداءاته.

وهو ما أدى فيما بعد إلى قيام إسرائيل بشن حرب واسعة لتدمير بنى المقاومة الفلسطينية باجتياح الأراضي اللبنانية وصولا إلى بيروت (يونيو 1982)، والذي كان من نتيجته خروج قوات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. أما الوضع بالنسبة لحزب الله فهو جد مختلف، إذ لا يمكن إخراج هذا الحزب من لبنان كونه يشكل جزءا من نسيج هذا البلد، الاجتماعي والسياسي، وهما مصدر قوته واستمراره.

أيضا فإن ما يميّز التجربتين اللبنانية والفلسطينية طبيعة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يبدو كل من هذين الطرفين وكأنه يصارع الآخر على الوجود وعلى الأرض نفسها وعلى ذات الرموز والمفاهيم والتاريخ.

فمن الواضح أن الإسرائيليين أنفسهم، وعلى خلفية أيديولوجيتهم الصهيونية الدينية، ميّزوا بين طبيعة ومبرر وجودهم في الأراضي اللبنانية وبين ذات الأمرين في الأراضي الفلسطينية، إذ كانوا عرّفوا وجودهم في الأولى بأنه وجود احتلال مؤقت يستهدف غايات سياسية معينة تتمثل بحماية الحدود الشمالية وبمحاولة فرض تسوية على لبنان وابتزاز سوريا.

في حين أنهم يعرّفون وجودهم في الثانية باعتباره حقا طبيعيا وتاريخيا ومقدسا لهم! فهذه الأراضي في إدراكهم (رسميا وشعبيا) جزء من (أرض الميعاد) المبرر التاريخي لوجود دولة إسرائيل.

ومن النواحي المباشرة ثمة فارق أيضا بين مكانة الأراضي اللبنانية والفلسطينية المحتلتين، بالنسبة للإسرائيليين، ففي الأولى لا توجد مستوطنات ولا مواقف دينية ولا مكاسب اقتصادية، زد من ذلك أنها باتت تشكل عبئا سياسيا وأمنيا غير مبرر من وجهة النظر الإسرائيلية، في حين أنه بالنسبة للثانية جرى العكس فهنا ثمة إجماع رسمي وشعبي (تقريبا) على عدم الانسحاب من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدم تفكيك المستوطنات، على خلفية مواقف قومية ودينية ولأسباب سياسية وأمنية ومائية وديموغرافية (الاستيطان).

وبالنسبة لتفسير إخفاقات التجربة الفلسطينية بطبيعة القيادة الفلسطينية، فلعله أسهل التفسيرات وأشهرها ولكنه أكثرها سذاجة وتورية على الحقائق، إذ أن الكفاح المسلح الفلسطيني (في الخارج) لم ينحسر، فقط، بسبب ضعف إرادة أو صدقية هذه القيادة وإنما بسبب تعارضه أساسا مع الإرادات والسياسات العربية السائدة والمتضاربة.

أما بالنسبة للانتفاضة الأولى (87 ـ 93) فهي لم تخب بمجرد صدور قرار قيادي، أو بسبب المراهنة على عملية التسوية، فحسب، ولكنها خبت بشكل تدريجي بسبب الاستنزاف الذي حصل في المجتمع الفلسطيني بعد ست سنوات على اندلاعها، وبسبب تغير البيئتين الدولية والإقليمية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وتفاعلات حرب الخليج الثانية في الوضع العربي.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org