الارتباك العسكري الإسرائيلي بيٌّن، والتخبط السياسي الأميركي بيٌّن، وبينهما تشابهات .. فقد وضح الارتباك العسكري الإسرائيلي في مفاجأته بقدرة حزب الله على الردع والصمود إلى الحد الذي جعلها تشن حرباً عبثية ضد المدنيين لا ضد جند المقاومين وجند لبنان، بل ضد دور الأيتام والمدارس والمشافي والطرق والجسور والمخيمات وليس ضد أي هدف عسكري أو مقاوم،
بما جعلها تبدو متخبطة ومتورطة وعاجزة حتى عن التوقف فضلاً عن العجز عن التقدم أو التراجع، بما جعل الجيش الصهيوني الذي «لا يقهر»، يقهر ، لا بجيوش عربية أنفقت عليها مليارات الدولارات وتملك مئات الطائرات والدبابات وملايين الجنود والضباط بلا حراك، ولكن بطليعة مقاومة من بضع مئات حولت الآلاف إلى مقاومين وحولت الملايين من اللبنانيين والعرب والمسلمين إلى احتياطي استراتيجي في حرب الكرامة والتحرير.
الجيش الصهيوني الذي فاقت أساليبه في التصدي للمقاومة الوطنية في فلسطين بقيادة(حماس) السنية، والمقاومة الوطنية في لبنان بقيادة «حزب الله» الشيعيّ، الأساليب النازية، وجرائم الحرب الأميركية في العراق وأفغانستان، والذي تسقط طائراته، وتدمر دباباته، ويقتل ويؤسر ويصاب جنوده وضباطه، وتضرب مدنه وقراه ومستعمراته بصواريخ حزب الله، وبسالة مقاوميه في مواجهة العدو الإرهابي المحتل، هذا الجيش أصبح مثار الاحتقار من الرأي العام العالمي، ومثار الرثاء من الرأي العام الصهيوني.
الصورة الواضحة والشيء البين في هذه الحرب الإرهابية العدوانية التي تشنها منظمة الجيش الإرهابي الصهيوني ضد السكان المدنيين الآمنين من اللاجئين والمواطنين العزل من غير المقاومين، تشير بوضوح إلى أن هذا الجيش الإرهابي ليس عاجزاً ولا مرتبكاً ولا متورطاً فقط، ولكنه خاسر ومهزوم بكل تأكيد.
خاسر لمجرد دخوله حرباً ضد حزب واحد في دولة عربية صغيرة، حتى تبدو المبارزة، من حيث العدة والعتاد،بين الطرفين وكأنها مبارزة بين طائرة وعصفورة أو بين فيل غبي وقط ذكي. وخاسر لأن الفيل الغبي حسم أطول حرب خاضها من قبل مع فيل ذكي أو غبي في ساعات، بينما هو في هذه الحرب التي ليست حرباً وإنما حفلة جنون هستيري ليس قادراً على الحسم في أيام فقط والأكثر مدعاة للشعور بالمهانة أنه يخشى الهزيمة.
وهو خاسر ثالثاً بصورته الإرهابية المشينة التي ظهرت على شاشات التلفزة العربية والعالمية، والتي حركت مشاعر الاحتقار والغضب لدى الرأي العام الشعبي العربي والإسلامي والعالمي بما حرك المظاهرات الجماهيرية الحاشدة والتي لا تغطيها بعض الشاشات العربية بتعليمات رسمية، حتى لا تتهم بالتحريض، أو بإثارة الغضب العارم والمكبوت والصمت الشعبي، الذي هو في رأيي أخطر لأنه يكون نذيراً بالانفجار الأكبر.
ويكفي هذا العدو الإرهابي مهما دمر من منازل وطرق وجسور يمكن إعادة بنائها ومهما خلف من شهداء مصيرهم الرفعة إلى السماء، أن يخفي خسارته العسكرية بأوامر رسمية لأجهزة الإعلام الإسرائيلية وللمراسلين الأجانب الذين يحاولون بصعوبة بالغة تغطية مجريات الحرب، والإصابات المؤثرة لصواريخ حزب الله للمستعمرات الصهيونية في الجانب الإسرائيلي الآخر من الصورة.
ومهما كانت النتائج العسكرية والاتفاقيات أو المشروعات السياسية بالرعاية الأميركية أو بغيرها تبعاً لنتائج المعارك الميدانية .. فإن الهزيمة الإسرائيلية البادية الآن مؤكدة على المدى الطويل .. هزيمة عسكرية وهزيمة سياسية وهزيمة أخلاقية، فقد قررت مصيرها وحكمت على نفسها وعلى أجيالها المقبلة بنفسها حيث لا يمكن لها بعد كل هذا الكم من الإجرام أن تقبلها شعوب المنطقة بؤرة للشر والإرهاب، وقاعدة عسكرية عدوانية لوحيد القرن ومشروعاته السياسية المشبوهة في المنطقة.
وعلى الوجه الآخر لصورة الحرب العدوانية ضد فلسطين ولبنان والعراق والسودان، بل والأمة العربية والإسلامية كلها دولة بعد دولة، يبدو بيُّناً وواضحاً التخبط السياسي الأميركي صاحب القرار الحقيقي بشن هذه الحرب العدوانية الواحدة على كل هذه الجبهات .. والبقية تأتي تباعاً. وبسبب هذا التخبط اضطرت واشنطن إلى إيفاد «رايس» ولجأت إلى روما في محاولة للخروج من الورطة.
وينجلي الآن أمام الجميع أن هذه السياسة الأميركية المتخبطة تعد من بين جميع سياسات الإدارات السابقة التي حكمت الولايات المتحدة منذ نشأتها، ليست فقط السياسة الأكثر تشدداً في مساندة إسرائيل، بل إنها السياسة الأكثر شراسة وعداوة لهذا الشرق بما فيه من طوائف ومذاهب وأعراق، لتحقق الهيمنة التامة والكاملة عليه وتضمن بقاء تفوقها العالمي على منافسيها من القوى العظمى الأخرى.
mamdoh77t@hotmail.com