علّق الشيخ أبو عبادة، رئيس الجالية الفلسطينية في الخرطوم، على قلة الحضور بقاعة الشارقة عند إلقاء محاضرة الدكتور عبد السلام سيد أحمد عن «حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة» بأن الجماهير قد أصابها التعب واليأس من حل المشكلة الفلسطينية لذلك قل اهتمامها بها.
هناك قدر من الحقيقة في هذا القول ولكن ليس على إطلاقه، والدليل على ذلك هو زيادة الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية بعد عملية المقاومة المسلحة ضد الموقع العسكري الإسرائيلي الذي أدى إلى أسر أحد جنود العدو وخاصة بعد هجوم حزب الله عبر الحدود اللبنانية الذي أدى إلى مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر اثنين وما ترتب عليه من حرب إسرائيلية واسعة النطاق على لبنان. ورغم المفارقة الهائلة في العدة والعتاد بين إسرائيل وحزب الله، وتواطؤ الدول الغربية مع إسرائيل، وضعف موقف الحكومات العربية بالصمت أو النقد للمقاومة الشعبية «المغامرة»، فان متابعة الجماهير لما يحدث في فلسطين ولبنان يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة يدل على انفعال بالقضية وتأييد لها واستعداد للبذل من أجلها.
ولقد بدأت الاتحادات المهنية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في مصر والأردن ولبنان وسوريا والمغرب بإصدار البيانات وعقد الندوات وتسيير المظاهرات ورفع المذكرات مناصرة للقضية الفلسطينية العادلة وللشعب اللبناني الذي يتعرض لما يشبه الإبادة الجماعية.
وفي السودان نظم اتحاد عمال نقابات السودان اجتماعا جماهيريا في داره يوم الأربعاء الماضي وفي يوم الخميس نظمت الهيئة السودانية لمناصرة الشعوب لقاءً تعبويا في حدائق مسجد الشهيد وقامت هيئة شؤون الأنصار في يوم الجمعة بتسيير مظاهرة من مسجد ودنوباوي إلى جامع الخليفة وأعلنت الهيئة الشعبية السودانية لدعم الشعب الفلسطيني عن ندوة كبرى تقام بجامعة الخرطوم مساء الاثنين المقبل يتحدث فيها قيادات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وتنظم هيئة الدفاع عن العقيدة والوطن مسيرة غضب في نهار يوم الاثنين المقبل وتناولت معظم المساجد في خطبة الجمعة الحديث عن القضية الفلسطينية.
فان كان هناك ضعف في الاهتمام الشعبي ليس سببه ضعف الإيمان بعدالة القضية أو بوجوب مناصرتها وإنما سببه جمود الموقف وقلة الحراك من الجهات المعنية ومن بينها الشعب الفلسطيني نفسه وعندما انكسر ذلك الجمود بدأ الاهتمام بالقضية يزداد بوتيرة عالية، ويعزى ضعف الاهتمام أيضا إلى قلة التوعية بتطورات الأحداث وما ينبغي على الجماهير أن تفعله إزاءها.
إن الجماعات الثورية التي تريد أن تغير الواقع الظالم وحركات التحرر الوطني التي تسعى لتحقيق الحرية والكرامة الوطنية لا بديل لها سوى الرهان على الجماهير فهي مادة التغيير وأداته والمنتفعة منه في نهاية المطاف، فان فشلت في كسب الجماهير إلى صفها فشلت في تحقيق مهمتها لا محالة، ولابد لها أن ترفع وعي الجماهير بقضيتها وتقنعها بعدالة القضية وتضرب المثل الأعلى في سبيل الدفاع عنها والتضحية من أجلها،
وعندها ستجد أن الجماهير قد التفت حولها واستعدت للسير معها كل الشوط في الانتصار للقضية ولسان حالها يردد قول شيخ الأنصار معاذ بن جبل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مبتدأ غزوة بدر: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
ووجد الإمام المهدي تجاوبا مماثلا من أهل السودان وحتى أصحاب الدعوات المادية من أمثال ماوتسي تونغ وهوشي منه وجيفارا أشعلوا حماسة الجماهير بعدالة قضيتهم واستعدادهم للتضحية من أجلها. وأول علامات الفشل لحركات التحرير والتغيير الاجتماعي أن تفقد الثقة في الجماهير فتبتعد عنها وتجازيها الجماهير بعدا ببعد وصداً بصد، وتكون النتيجة الحتمية أن تصبح القضية رهينة بصفوة متعالية لا قواعد لها فتعوض ذلك النقص بتكتيكات سياسية وبراغماتية انتهازية تنتهي بها إلى بيع القضية من أجل مكاسب مؤقتة أو منافع شخصية.
واستطاعت كل من حماس وحزب الله أن يقنعا أعدادا مقدرة من الفلسطينيين واللبنانيين بعدالة القضية التي يدافعان عنها في رجولة وايمان فوجدا تجاوبا صادقا يصل إلى حد التضحية بالنفس والمال، لذلك ألحقا ضربات موجعة بالعدو أكثر مما فعلت الحكومات والدول وارتفع تأثيرهما على الساحة السياسية بما يفوق تأثير الدول التي التزمت السكون والخوف من العدو. وسيحاول العدو جهده مستعينا بحلفائه في أميركا والدول الغربية أن يقضى على كلا التنظيمين المجاهدين، وأن يسلط عليهما حكومات الدول العربية «الصديقة» لتنقض عليهما من الخلف.
ولا خيار لكل تنظيمات المقاومة الشعبية في فلسطين ولبنان إلا أن تلتصق أكثر وأكثر بالقواعد الجماهيرية حتى يستعصي على العدو اختراق الجبهة الداخلية خاصة وأن الجماهير تعلم جيدا مدى قوة هذه الحكومات في مواجهة العدو، ومدى حرصها على كراسي السلطة التي انتزعتها دون شرعية سياسية أو دستورية، ومدى اعتمادها على الدعم الخارجي في التمسك بالسلطة، ومدى إيمانها بالحرية والاستقلال والكرامة الوطنية!
ومن الأهمية بمكان أن توضح النخبة صاحبة القضية الدور المنوط بالجماهير، وأن تراعي في تحديد ذلك الدور الواقعية والتدرج حسب قدرات الفئات المستهدفة فليس كل الناس من أولي العزم والتضحية الغالية، وتتجلى العبقرية في إعطاء كل فئة ما يمكن أن تقوم به من مهام ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو استشهادية! ولعل ندوة الاثنين المقبلة تعيننا في تحديد الدور المتوقع من الجماهير في نصرة القضية الفلسطينية واللبنانية. والله من وراء القصد.
كاتب سوداني