حتى الأمم المتحدة لم تستطع أن تتصدى للعدوان الإسرائيلي على قواتها الدولية في جنوب لبنان دفاعاً عن هيبتها ومكانتها وكيانها كحارس على الأمن والسلم الدوليين. لقد ارتكبت الدولة العبرية جريمة حرب بالاعتداء عمداً على قوات حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية في الجنوب اللبناني. واشتاط الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان - في بادئ الأمر - غضباً للجريمة الإسرائيلية.
وحشد مجلس الأمن الدولي لاتخاذ موقف صارم ضد إسرائيل. ولكن في النهاية وبعد يومين من المناقشات العاصفة والساخنة، لم يجد الحشد الدولي الممثل في أعضاء المجلس الخمسة عشر أمامهم للتصدي للجريمة الإسرائيلية سوى إصدار بيان هزيل لا يليق بهيبة الأمم المتحدة، بل يكشف ضعفها وعجزها عن ردع العدوان، ويؤكد من جديد أنها غير قادرة على تأكيد مصداقيتها في حفظ الأمن العالمي.
المجلس، اكتفى في بيانه بأن يبدي «صدمته» إزاء مقتل الجنود الأربعة الدوليين أعضاء قوة حفظ السلام! وأن يبدي أيضاً «قلقه الشديد» بشأن سلامة أفراد الأمم المتحدة. تجنب البيان إدانة إسرائيل، رغم أنها التي ارتكبت الجريمة، واعترفت بها. لم يستطع المجلس أن يمرر بياناً كانت الصين قد أعدته يدين أي هجوم متعمد على أفراد الأمم المتحدة.
وكان وراء ذلك بالطبع الولايات المتحدة التي تحتفظ بدرع «الفيتو» داخل مجلس الأمن لردع كل من تسول له نفسه التعرض لإسرائيل ولو باللوم أو العتاب! رفضت أميركا الموافقة على بيان ينتقد إسرائيل أو يدين العدوان على قوات حفظ السلام التي سقط منها أربعة مراقبين دوليين من الصين وكندا والنمسا وفنلندا بقذائف إسرائيل. وفي ظل الحماية أو الحصانة الأميركية المطلقة داخل مجلس الأمن تم اقتطاع أجزاء كبيرة من مسودة البيان الصيني، وأهمها العبارة التي «تدين أي هجوم على أفراد الأمم المتحدة». ليخرج بعد ذلك البيان الذي اكتفى بالتعبير عن «الصدمة والقلق».
وكما أبدت إسرائيل ارتياحها الشديد لنتائج مؤتمر روما الأربعاء الماضي الذي لم يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في لبنان، أشاد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة دان غيلرمان ببيان مجلس الأمن ووصفه بأنه «منصف جداً ومتوازن». فمادام لم تصدر منه كلمة تسيء الى الدولة العبرية، فهو بيان مقبول لديها، بل وحرصت داخل المجلس من خلال سفيرها غيلرمان، أن تقدم تعازيها للأمم المتحدة!
هذا هو حال الأمم المتحدة ومجلسها الذي يضم صفوة ممثلي المجتمع الدولي. لا حول لها ولا قوة حتى فيما يتعلق برجالها . وبالتأكيد اذا تكرر العدوان الإسرائيلي على قوات المنظمة الدولية، فستطمئن إسرائيل بأنها بمنأى عن العقاب أو المساءلة أو حتى العتاب.
لقد كشف البيان الرئاسي لمجلس الأمن عن حالة الشلل التي أصابت الأمم المتحدة. لقد ظل أعضاء المجلس يتجادلون طويلاً قبل صدور بيانهم الذي جاء أيضاً رغم هشاشته متأخراً. فالجريمة ارتكبت قبل ثلاثة أيام من إصدار البيان، ولو أن الأمور تسير طبقاً للشفافية والحرص على هيبة المنظمة الدولية ومصداقيتها، لصدر البيان بعد ساعات قليلة من ارتكاب الجريمة الإسرائيلية، وبعبارات أقوى وأكثر صرامة وحزماً للأمور.
وصدق أحد الدبلوماسيين حين تساءل: «ما الرسالة التي نوجهها الى العالم اذا كنا عاجزين حتى عن إصدار بيان عن مصرع أشخاص يفترض بهم أن يحمونا»؟
ان الموقف الأميركي الذي تسبب في إصدار البيان الهزيل الذي باركته إسرائيل، قوض مكانة الأمم المتحدة لتبدو وكأنها منظمة أميركية وليست دولية. لقد ثبت أن مجلس الأمن الدولي - كما أشار السفير الصيني لدى الأمم المتحدة وانغ غوانغيا - غير قادر حتى على توجيه رسالة سياسية شديدة اللهجة دعماً لرجاله في قوات حفظ السلام.
ان مجلس الأمن مادام عاجزاً عن حماية من يحملون شاراته وقبعاته الزرقاء المتميزة، فلن يكون بالطبع قادراً على استصدار قرار لفرض الشرعية الدولية. واذا كان السفير الإسرائيلي قدم العزاء للمنظمة الدولية وشاطرها في «صدمتها» وحزنها على مقتل أربعة من رجالها، فانه لا عزاء لمجلس الأمن مادام عاجزاً عن حفظ الأمن والسلم الدوليين بل وغير قادر على الحفاظ على هيبته ومكانته أمام العالم.