لا ندري كيف لنا -أفرادا وشعوبا ومجتمعات- أن نصدق ما ورد في تصريح وزيرة الخارجية الأميركية من أن شرق أوسط جديدا بدأ يتَخلّق الآن من رحم العدوان السافر الذي تشنه إسرائىل على أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني. بل كيف لعاقل أن يتصور خروج مثل هذا المشروع الذي يبشر بزحف تاريخي لعصرنة شعوب منطقة الشرق الأوسط من فظاعة فعل ذلك العدوان الذي لا يضع أي اعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية، والذي فاق ببشاعة جرائمه كل الأيادي الآثمة، التي تلطخت بدماء الضحايا والأبرياء في التاريخ البشري.
وربما كان علينا أمام تلك الدعوة التي تحثنا على تحمل مثل هذه الولادة الشاقة مهما كانت موجعة، إعادة تذكير أولئك الذين يحلمون بشرق أوسط جديد قادر على استيعاب الخارطة الجغرافية لهذه المنطقة بكل متاعبها وتعقيداتها وما علق بها من صور الإحباط أن ذلك لا يمكن أن يتم عن طريق البطش والقوة واختلال الموازين وتقديم الدعم المادي والمعنوي والسياسي والعسكري للكيان الإسرائىلي وتوفير الغطاء لكل مغامراته ليغدو فوق كل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية والإنسانية.
وأنه كان الأحرى بمن يرسمون مشروع الشرق الأوسط الجديد الاستفادة من إخفاقات الخطوات السابقة والتي أتت بمردودات عكسية كنتيجة طبيعية لخطأ التقديرات فلا سلاما تحقق ولا ازدهارا إنمائىا تهيأ لشعوب هذه المنطقة، وها هي مشاهد هذا الإخفاق تبدو جلية في ما تشهده الساحة العراقية من أعمال عنف يذهب ضحيتها يوميا العشرات من أبناء هذا البلد، الذي قيل ذات يوم بأنه سيصبح الأنموذج والقدوة لدول المنطقة.
ويتكرر الأمر نفسه في ما يعتمل أيضا في الصومال من تطورات وأحداث كان سببها الرئيسي تجاهل بعض المواقف الدولية للأسس الكفيلة بضمان نجاح المصالحة وتمكين الحكومة الانتقالية من ممارسة واجباتها وبسط نفوذ الدولة، وتجاوز حالة الاحتقان التي سيطرت على الأوضاع الصومالية في السنوات الخمس عشرة الماضية.
وتتسع مساحة الإخفاق أكثر بالتعريج على ما تقترفه إسرائىل اليوم من مذابح وعدوان غاشم على أبناء الشعبين الفلسطيني واللبناني في سياق حرب منهجية ومنظمة تستهدف البشر والحجر والشجر، وتستنزف كل مظاهر الحياة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
لقد كشر أولمرت عن أنيابه ليطلق العنان لأسراب الطائرات الحديثة لكيانه لتقوم بتدمير الجسور ومحطات المياه والمدارس والجامعات والمستشفيات والبنى التحتية للاقتصاد اللبناني وصولا إلى هدم البيوت على ساكنيها منتهزا ظروفا كونية وفرت له فرصة سانحة للقيام بمثل هذه الأفعال الشنعاء، التي تغرق في أعمال القتل وسفك دماء الأبرياء أطفالا وشيوخا ونساءً.
وما يؤسف له حقا أن إسرائىل هي من تقتل وتدمر وتعيث في الأرض فسادا في حين تجد من يبرر لها هذه الأفعال ويفتح لها الباب على مصراعيه لتجاوز كل الخطوط الحمراء وكأن كل ما عليها ارتكاب المجازر ومهمة من يدعمونها غسل الدماء التي تلحق بها العار، مما يدل معه على أن العالم الذي يصف نفسه بالمتحضر لا يتواطأ فقط مع هذا الكيان العنصري، بل أنه الذي أصبح شريكا في الجُرم وضالعا في الجريمة.
إن ما يجري في غزة والساحة اللبنانية عموما يدفع الكثير من أبناء هذه المنطقة إلى التساؤل بحرقة عن ماهية الشرق الأوسط الجديد وهم يسمعون أحد وزراء إسرائىل يظهر على شاشات التلفزة ملتاثا بهوس القوة ومتوعدا سكان الجنوب اللبناني بهدم منازلهم على رؤوسهم إذا لم يقوموا بحزم أمتعتهم والرحيل من قراهم حتى يتسنى لكيانه المتغطرس اجتثاث حزب الله من الوجود وجعله عبرة لكل من يتجرأ على الوقوف أمام إسرائيل.
والمثير حقا أن هناك من يريد إقناعنا بأن تلك المذابح والمآسي ونزيف الدم ما هي إلاّ من أجل عيون العرب وديمقراطيتهم وازدهارهم المبشرين به عبر مشروع الشرق الأوسط الجديد، دون أن يدرك أولمرت أن العنف لن يولد إلاّ العنف والدماء لن تخلّف إلاّ المزيد من شلالات الدم وأن حصيلة كل هذه العمليات ستكون مكلفة وباهظة الثمن على الجميع وفي مقدمتهم الكيان الإسرائيلي الذي وإن كان بوسعه محاصرة غزة وأخواتها من المدن الفلسطينية وارتكاب المجازر الجماعية في حق أبنائها وكذا تحويل لبنان إلى أرض محروقة تصدع بالأنين.
إلاّ أنه ومهما بلغ الصلف بهذا الكيان وامتلك من القوة وأحدث من الخراب والدمار لن يستطيع تحويل شعوب هذه المنطقة إلى قطيع مستكين لما يريد، وها هي هذه المعادلة تفرض نفسها في الحرب الدائرة في لبنان وفلسطين.
صحيح أن لبنان -إنسانا وأرضا- لم يعد يغمض له جفن بفعل أزيز الطائرات ودوي القنابل والصواريخ، وهو الحال نفسه الذي ينطبق على غزة ورام الله وبقية المناطق الفلسطينية ولكن هل استطاع أولمرت وجنرالاته منع حالة الفزع التي تنتابهم وهم يرقبون حالة الصمود التي يبديها أبناء الشعب اللبناني في مواجهة التمادي الإسرائىلي الفاجر.
وهو ما يؤكد أن إسرائىل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنعم بالأمن اعتمادا على منطق القوة وجبروت الآلة العسكرية