رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت يقول : إن نتائج مؤتمر روما منحته تفويضا دوليا لمواصلة حربه الدموية التي تستهدف المدنيين اللبنانيين وتقوض كل دعائم اقتصادهم وتحاصرهم برا وبحرا وجوا وتحرمهم من الغذاء والدواء ليرتفع رصيده الوحشي من القتلى المدنيين ومن بينهم نساء وأطفال وعجائز وأسر بكامل أفرادها ، ولهذا فقد قرر تكثيف عمليات القصف الجوي بعد أن منيت قواته البرية بخسائر فادحة في محور مارون الراس - بنت جبيل في الجنوب اللبناني. وهذا التفويض الذي يتحدث عنه أولمرت ، هو نفس الموقف الذي انتهى إليه مجلس الأمن عندما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض فعجز المجلس عن إصدار قرار يدين العدوان الاسرائيلي على لبنان ويطالب بوقفه فورا.
وإذا أضفنا إلى ذلك ازدياد كثافة العدوان الاسرائيلي الوحشي في قطاع غزة والضفة الغربية ، الذي حصد أرواح حوالي 30 شهيدا تقريبا خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بغطاء وسلاح ومباركة واشنطن ، وادعاءاتها الكاذبة أن هذه حرب اسرائيلية مشروعة للدفاع عن النفس ومكافحة (الارهاب) الفلسطيني ، نجد أنفسنا _ على الفور _ أمام الحقيقة الواضحة التالية : إن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن قد تجاوزا عمرهما الافتراضي وأصبحا آليتين غير مناسبتين لتحقيق السلام والأمن في العالم ، ذلك الذي أمسى في حاجة ملحة إلى نظام جديد يرسي مبادئ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات ، ويحول دون سيطرة وتحكم الكبار في مصائر من لا حول لهم ولا قوة.
وإذا جاز لنا أن نستعير شيئا من علم الاقتصاد ، يمكن القول: إن الأمم المتحدة بمثابة شركة دولية مساهمة عامة ، وجمعيتها العامة تضم الدول الأعضاء _ حملة الأسهم ، التي تتمتع كلها بحقوق متساوية ، وإن هذه الجمعية العامة هي التي تصدر قرارا بتشكيل مجلس إدارتها (مجلس الأمن) وتحديد صلاحياته ، وهي وحدها التي تملك حق الوصاية عليه ومراقبة وتقييم أدائه ومحاسبته وإقالته إذا استدعى الأمر ذلك .
لكن الخلل الخطير في النظام الأساسي لهذه الشركة الدولية متعددة الجنسيات ، حوّل جمعيتها العامة إلى مجرد صالون للحوار والنقاش دون أي صلاحيات أو سلطات تنفيذية .. تلك التي منحت لمجلس الادارة ، مع تمييز يمنح بعض أعضائه حق عرقلة أو اتخاذ أي قرار يحقق مصالح الأعضاء المساهمين ، وتلك هي الطامة الكبرى لميزان مختل وضع العربة أمام الحصان ، وأوصلنا إلى نزيف الدم العربي المتواصل من شرايين فلسطين ولبنان والعراق ، تنفيذا لمشيئة بعض أعضاء مجلس الإدارة (السوبر).!
ولأن المسكنات والمهدئات لا تستأصل داء من جذوره ، فإن الحل الجذري لمشكلة اضطراب عالمنا المعاصر واختلال موازين العدل والمساواة فيه ، بما أهله _ بجدارة _ أن يصبح أكثر رعبا ووحشية والحالة العراقية الفلسطينية اللبنانية الأفغانية أحد مظاهره الراهنة ، - مطلوب بشدة -، ولن يتم هذا الحل إلا بإعادة صياغة ميثاق الأمم المتحدة ، وإلغاء أي بنود عنصرية فيه تجعل لبعض الدول مزايا لا يتمتع بها الجميع ، وتوسيع قاعدة مجلس الأمن وتوزيع مقاعده على جميع القارات والدول طبقا لمعيار وحيد هو التعداد الكلي للسكان ، وإلغاء حق النقض ، واصدار قراراته بأغلبية الأعضاء .. إلى غير ذلك من عمليات الاصلاح والتحديث والترميم لهذا النظام الآيل للسقوط في أي لحظة.
ولكي تتم عملية ترميم هذا (البناء) العتيق ، يجب أن يتضمن ميثاق المنظمة الدولية تأكيدا على أن الجمعية العامة _ وليس مجلس الأمن _ هي الإطار المرجعي الذي بيده سلطات فصل وحسم أي نزاعات دولية ، بصلاحيات تنفيذية تفوق صلاحيات مجلس الأمن وتجّب وتلغي بعض قراراته إذا تطلب الأمر ذلك ، وبدون توفير هذه الضمانات التي تفضي حتما الى عالم أكثر أمنا وعدلا وسلاما ، فإن البديل الشديد الخطورة ، أن تلجأ بعض الدول أو التنظيمات أو الجماعات المتطرفة لامتلاك ما يسمى (قنابل قذرة) تستخدمها لإحداث توازن رعب مع الخصم يحول بينه وبين العدوان ، وهذا ما يحذر منه بشدة سياسيون ومراقبون دوليون محايدون.
وبدون هذه المراجعة النقدية الاصلاحية لدعائم النظام الدولي الحالي ، سيظل البعض يشن حروبا استباقية على دول أخرى دون غطاء شرعي ، ويستخدم حق النقض لاعادة تخطيط خرائط الجغرافيا السياسية انتقاصا لحقوق وحرية وسيادة الغير بل وحياتهم أيضا ، ويظل إدمان الكذب والتقنع بأقنعة مغشوشة غطاء مفضلا لدى البعض لانتهاك سيادة وحرية وكرامة أمم وشعوب أخرى ، ويظل المتواطئون من كبار عالمنا منشغلين _ فقط _ بتوسل القتلة لتوفير ممرات آمنة لكسرة خبز وجرعة دواء لأبناء القتلى و.. باختصار غير مخل ، يظل عالمنا المعاصر _ بهذه الكيفية _ أقرب إلى شريعة الغاب منه إلى قيم الحرية والعدل والمساواة.