ما زال الكثير من نقاد وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري ينظر ويقارن بين الممارسة الإعلامية في الغرب وفي الدول النامية من نفس الزاوية وبنفس المقاييس ويضع التجربتين في نفس الخانة رغم أن المقارنة غير عادلة لعدة اعتبارات من أهمها تاريخ التجربتين وكذلك الممارسة السياسية ومكانة الفرد في المجتمع الخ،
لكن هذا لا يمنعنا من القول ان الممارسة الإعلامية هي وليدة بيئتها ومادام أن البيئة السياسية والاقتصادية سواء في الغرب أو في الشرق وسواء في الشمال أو الجنوب تشوبها شوائب وتميزها تناقضات وتجاوزات فإنها تنعكس على العمل الإعلامي اليومي للمؤسسة الإعلامية وللقائم بالاتصال. ومن التقنيات الفنية المستعملة بالاشتراك ومناصفة بين الشمال والجنوب مصطلح «الأمن القومي».
اتصفت العلاقة بين الحكومات ووسائل الإعلام عبر العصور وعبر الدول بصراع دائم بين من يسيطر ومن يتحكم في تدفق المعلومات والأخبار، وإذا كان الأمر محسوما مسبقا لصالح السلطة في الدول النامية والدول التي تحبو نحو الديمقراطية فالأمر غير ذلك في الكثير من الدول الديمقراطية التي تسيرها قوانين ودساتير ومواثيق والتي تنعم بالمؤسسات والتقاليد والأعراف في ممارسة القانون والسياسة والإعلام الخ،
لكن هذا لا يعني أن في الدول الديمقراطية المؤسسة الإعلامية وكل القائمين بالاتصال يصلون دائما إلى مصادر المعلومات وينشرون كل الأخبار والأحداث والأسرار بكل حرية وبكل سهولة، الأمر ليس كذلك على الإطلاق فكواليس الصحافة حتى في أعتق الديمقراطيات في العالم تتكلم عن تجاوزات وعن تصرفات عادة ما تخرج عن مبدأ حرية الصحافة ومبدأ السوق الحرة للأفكار.
ومن أهم التقنيات التي تستعملها الحكومات في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية على السواء مصطلح «الأمن القومي». لكن هنا يجب علينا أن نفرق بين الممارسة الإعلامية بين النظامين.ففي الدول الديمقراطية حيث تكميم الصحافة ولجمها ليس بالسهل نلاحظ اللجوء إلى مصطلح مثل «الأمن القومي» وهو مصطلح مطاطي في مختلف الدول والثقافات والحضارات.
ومصطلح الأمن القومي نجده في مختلف القوانين والدساتير الإعلامية لكن مفهومه عند السلطة يختلف عنه عند المؤسسة الإعلامية والصحافي. وهنا نلاحظ الصراع الدائم بين الحكومة التي تسعى للتحكم في تدفق الاتصال والمعلومات الحساسة باسم الأمن القومي وبين المؤسسة الإعلامية والساهرين عليها والذين يسعون ليل نهار ويخاطرون من أجل إيصال المعلومة للرأي العام.
وانطلاقاً مما سبق فإن أي حكومة في العالم ومهما كانت درجة ديمقراطيتها ونضجها تحاول أن تتحكم بطريقة أو بأخرى في المؤسسة الإعلامية وتسعى لمغازلتها ومحاباتها من أجل استغلالها واستخدامها في الاتجاه الذي يخدمها ويخدم السلطة قبل خدمة الرأي العام.والإيمان الراسخ بأن الممارسة الإعلامية سليمة في الدول الديمقراطية مغالطة كبيرة
حيث اننا وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها وسائل الإعلام وخاصة الإلكترونية منها «تفبرك» الواقع وتصنعه أكثر مما تقدمه للرأي العام وأصبح «الشاو بيز» والجري وراء الربح عبر الإعلان هو الهدف الأسمى.ما حدث في حرب الخليج الثانية وما حدث في غزو جزيرة «غرينادا» وفي حرب «الفولكلاند » وما حصل في حرب فيتنام وفي حرب الجزائر وفي «كوسوفو» وحاليا في «الشيشان» ، ما هي إلا أدلة قاطعة على أن الصراع على السيطرة على المعلومة باسم «الأمن القومي» أصبح يحسم دائما لصالح الحكومات والسلطة وتبقى المؤسسة الإعلامية لا حول ولا قوة لها، في الكثير من الأحيان بسبب التواطؤ وأحيانا أخرى بالقهر.
والغريب في الأمر أن المؤسسة الإعلامية في الدول الديمقراطية الغربية نجدها تكيل بمكيالين، فإذا تعلق الأمر بالشؤون الداخلية نجد أن هذه المؤسسات تضغط وتمارس كافة حقوقها وصلاحيتها وما يكفله لها القانون للوصول إلى الحقيقة وتقديمها للرأي العام، أما إذا تعلق الأمر بالشؤون الخارجية فالموضوع يختلف تماما.و هنا نسرد أمثلة تاريخية كثيرة منها اغتيال «سلفادور أليندي» وكيف تصرفت معه وسائل الإعلام الغربية،
وماذا عن اغتيال رئيس الوزراء الإيراني «مصدق» وماذا عن اغتيال «شي غيفارا» وما ذا عن أكثر من مئة محاولة لاغتيال «فيدال كاسترو» وماذا عن اغتيال «مهدي بن بركة» و«باتريس لومومبا» والقائمة طويلة قد تتسع لمجلدات وأقراص مدمجة. الموضوع باختصار هو أن حرية الصحافة تنعدم أو تنهار تماما وتتبخر عندما يتعلق الأمر بـ «المصالح القومية» وبـ «الأمن القومي» ولو كان هذا على حساب الرأي العام وعلى حساب الأخلاق وقوانين المهنة وحق الفرد في الاتصال والمعرفة. فالسياسة لا تعرف الأخلاق وبذلك فإنها لا تعترف بأخلاقيات الممارسة الإعلامية.هذا بالنسبة للدول الغربية والدول الديمقراطية التي لا نستطيع بأي حال من الأحوال وبكل موضوعية ونزاهة علمية أن نضعها في نفس خانة الدول النامية والدول العربية.
إن السلطة في معظم الوطن العربي وفي سائر الدول النامية تنظر إلى وسائل الإعلام كوسائل لتثبيت شرعيتها وبسط نفوذها وتمرير خطابها السياسي بغض النظر عن طموحات وهموم الجماهير .و هي بذلك مازالت بعد لم تستطع بناء نظام مؤسساتي مستقر ولم تستطع أن تحقق المشاركة السياسية الفعالة داخل المجتمع، وفي الكثير من الدول العربية ينعدم المجتمع المدني تماما.
و كنتيجة لكل هذا فإن معظم الدول العربية فشلت كذلك في إقامة وبناء جهاز إعلامي فعال يؤمن بتوفير الاتصال الأفقي ويعمل على إدماج مختلف الشرائح الاجتماعية في العملية السياسية والاقتصادية والثقافية.و لهذا نتجت النظرة الضيقة للإعلام على أساس أنه أداة من أدوات السلطة تستعمل في آليات وعمليات الحكم والسيطرة.و تجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلام التنموي والفعال والأفقي لا يتأتى إلا بالديمقراطية والأجهزة المؤسساتية المختلفة التي تلعب بدورها دور المراقب والمعارض والمشارك في العملية السياسية وفي صناعة القرار.
إن تحديات القرن الحادي والعشرين والتناقضات السالفة الذكر التي يعيشها الإعلام العربي كلها تحتم على الأنظمة العربية ضرورة مراجعة استراتيجياتها وفلسفاتها تجاه الإعلام. ونقطة البداية هنا تتمثل في ضرورة النظر إلى وسائل الإعلام وإلى الجهاز الإعلامي بنظرة إيجابية تخدم المجتمع ككل وليس السلطة لوحدها وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال إلا بتغيير وجهة نظرنا إزاء المواطن العربي
حيث ضرورة النظر إليه كفاعل ومشارك ومساهم ومرسل وليس كمنفذ وتابع ومستقبل فقط. كذلك يجب علينا أن نقر حق الجماهير في التواصل والتفاعل مع وسائل الإعلام المختلفة وهذا لا يتأتى إلا بالعمل المؤسساتي الجمعي وعن طريق الجمعيات بمختلف أشكالها وأنواعها سياسية كانت أم اجتماعية أم ثقافية أم اقتصادية... الخ.
مازالت السلطة في بعض الوطن العربي تنظر إلى المنظومة الإعلامية والمؤسسة الإعلامية على أنها أداة لتثبيت شرعيتها وبسط نفوذها وتمرير خطابها السياسي بعيدا عن طموحات الجماهير ومطالبهم. وما زالت لم تستطع بناء المؤسسات اللازمة لضمان المشاركة السياسية الفاعلة ولضمان رأي عام قوي وفعّال.و نتيجة لكل هذا فإنها فشلت كذلك في بناء نظام إعلامي إيجابي وفعال وليس سلبيا يستقبل ويؤمر، نظام إعلامي يؤمن بالاتصال الأفقي ويعمل على إشراك مختلف الشرائح الاجتماعية في العملية السياسية وفي اتخاذ القرار، نظام إعلامي همه الوحيد كشف الأخطاء والعيوب وليس التلميع والتلوين.
ومن أهم مستلزمات الإعلام القوي والفعال في أي مجتمع حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الوصول إلى المعلومات، هذه المستلزمات يجب أن نعمل على توفيرها وعلى اكتسابها كسلطة وكقائمين بالاتصال وكمثقفين وباحثين ووسطاء ثقافيين...الخ، ودون هذه المستلزمات فإنه لا يحق لنا الكلام عن المجتمع المعلوماتي والثورة الاتصالية والعولمة الثقافية وغيرها من التحديات العديدة والمختلفة التي نعيشها اليوم وبصورة فائقة والتي ستميز الألفية الثالثة لا محال.
فالنظام الإعلامي العربي الراهن يحتاج إلى نظرة نقدية جادة مع نفسه كما يحتاج إلى مراجعة مع الذات هذا للوقوف على السلبيات والتعلم من الأخطاء والهفوات السابقة للانطلاق بخطى قوية وإيجابية نحو مستقبل لا يكون فيه الإعلام وسيلة للسيطرة والتحكم والتلميع والتملق وإنما وسيلة للحرية والعلم والمعرفة والتفكير والإبداع والاختلاف في الرأي وفي إيجاد سوق حرة للأفكار.
تحديات الألفية الثالثة كبيرة وجسيمة وتتطلب إعلاماً قوياً وصناعات ثقافية قوية وفاعلة سواء على المستوى المحلي أو الدولي، مع تمنياتنا بإيجاد آذان صاغية لهذه المستلزمات عند أصحاب القرار في وطننا العربي. فإذا كانت هناك بعض التجاوزات في الممارسة الإعلامية في الغرب والدول الديمقراطية بالتستر وراء «الأمن القومي» ووراء «المصالح القومية» والتي انعكست سلبا على عملية الوصول إلى الحقيقة وإلى تنوير الرأي العام وصناعة القرار السليم في آخر المطاف، يبقى أن الطريق مازال طويلاً أمام الإعلام العربي لينهض بنفسه ويتعايش ويتفاعل مع ألفية ترتكز على مجتمع المعلومات والمجتمع الرقمي واقتصاد المعرفة.
كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة