في ظل الأصوات الأوروبية الرسمية المتميزة عن الموقف السياسي الأميركي في مدريد وروما وباريس التي تدين الإفراط الإسرائيلي في التدمير وصنع الكوارث الإنسانية والمطالبة بالوقف الفوري للعمليات العسكرية والحرب المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني واللبناني.. والتي بدت أوسع رؤية فيما يتصل بأسباب الصراع في الشرق الأوسط ككل وليس بالنظرة المحدودة القصيرة النظر على الحدود اللبنانية الفلسطينية.
والتي أصبحت ترى حزمة حلول أكبر للصراع بضرورة حل مشكلة احتلال الأراضي الفلسطينية والجولان السورية كمدخل لحل الأزمة اللبنانية الإسرائيلية. وفي ظل الأصوات الرسمية الإسلامية المتميزة عن بعض المواقف السياسية العربية في «كوالالمبور» و«أنقرة» و«طهران» التي تتطلب إجراءات وليست تنديدات وأفعالا لا أقوالا وحضورا إسلاميا عربيا فاعلا وليس غيابا أو ترددا أو وساطة بل مشاركة في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف العدوان الإجرامي والإرهابي الصهيوني
وعودة الأرض إلى أصحابها الشرعيين وفق قرارات «الشرعية الدولية» وعودة المواطنين الفلسطينيين إلى ديارهم وتبادل الأسرى والمفاوضات السياسية لحل المشكلة المحورية للصراع في الشرق العربي الإسلامي وتدين التواطؤ الأميركي والشلل الدولي والتخاذل في نصرة المعتدى عليه بما يعطي الغطاء السياسي لتبرير واستمرار العدوان.
وفي ظل المظاهرات الشعبية في العواصم العربية والإسلامية والعالمية المطالبة بموقف فاعل للتصدي العملي للعدوان والتوقف عن لغة «الاستنكار» المجردة إلى إجراءات «الاستنفار المحددة» وإلى مباشرة «الفعل العربي والإسلامي» وليس دعوة «المجتمع الدولي» الغائب الضمير والمشلول عن الفعل الإيجابي العادل لدعم المقاومة العربية الإسلامية بكل ألوانها حيث هي ورقة المواجهة الوحيدة ضد الاحتلال والمشروعات الاستعمارية الجديدة التي تستهدف الشرق العربي الإسلامي كله ولا تستثني أحداً.
في ظل ذلك كله تخبط العدوان العسكري الإسرائيلي وارتبك التواطؤ السياسي الأميركي فبدا موقفه وتحركه السياسي متورطاً وحائراً بفعل الارتباك العسكري الإٍسرائيلي وبفعل الاقتدار العسكري لحزب الله في الردع والاقتدار الوطني في الصمود للشعب اللبناني ولقيادته السياسية عموماً في الإتحاد الوطني بغض النظر عن «بعض المشاغبات» الصغيرة والتصريحات المثيرة.
فبعد أن حددت واشنطن شروطها لتصدر التوجهات الى تل أبيب بوقف الحرب أولاً في واشنطن عادت وعدلتها قليلاً في قمة الثماني في «بطرس بورغ» تم في جلسات مجلس الأمن في نيويورك بعد أن ركبت موجة أقصى التطرف في فرض الشروط لوقف الحرب على أمل أن يدعمه الجيش الإرهابي الصهيوني في الميدان وقواه الخفية والعلنية وما راهنوا على حدوثه ضد حزب الله في لبنان والساحة العربية.
وجدت الإدارة الأميركية نفسها مخذولة سياسياً بسبب الخذلان العسكري الإسرائيلي فالأسرى الصهاينة مازالوا في أيدي قوات حزب الله اللبنانية وحماس الفلسطينية.. والجيش الإرهابي الصهيوني ما زال في ورطة ومأزق «الحرب على الإرهاب الإسلامي» في فلسطين ولبنان! وصواريخ حزب الله تتساقط على المستعمرات والمدن الإسرائيلية وتتضاعف حدته والوحدة الوطنية اللبنانية ازدادت صلابة وتماسكاً والشعب بل والجيش الوطني اللبناني أصبح كله مقاومة.. والجماهير الشعبية العربية لم تقبل بالطروحات الملتبسة لبعض الحكومات العربية وخرجت تعلن تأييدها للمقاومة ورفضها للحلول الاستسلامية وإزدرائها للإرهاب الصهيوني وكراهيتها للتواطؤ الأميركي.
وكوفي عنان ممثلا للأمم المتحدة أعلن أخيراً في نهاية المطاف أن القرار 1559 لا يمكن تطبيقه بالقوة العسكرية ولا يمكن نزع سلاح حزب الله إلا بالحوار الوطني اللبناني. ولا يمكن فصل القضايا من شبعا إلى الجولان لحل أسس الصراع ولا يمكن إطلاق الأسرى الصهاينة إلا بالتفاوض السياسي ولا يمكن تجاهل الدور السوري أو الإيراني في حل الصراع غير المحصور في الأسرى الصهاينة أو على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وحدها.
ومن هنا اضطرت أميركا إلى إيفاد (رايس) للبحث عن حل ينقذهم من الورطة السياسية العسكرية وإلى عقد مؤتمر روما حول الحرب في لبنان.. ولو لم تكن السياسة الأميركية متخبطة للغاية وعاجزة عن الرؤية إلا بالمنظار الإسرائيلي الأعمى لكان الأولى بها عقد مؤتمر روما لإنهاء الصراع في الشرق كله على أساس تطبيق القرارات الدولية فتنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة ويعود اللاجئون الفلسطينيون لديارهم ويعود الأسرى من الجانبين إلى عائلاتهم.. وحينها فقط يمكن حل أسباب الصراع.
mamdoh77t@hotmail.com