مئات من المدنيين الأبرياء قتلوا، وآلاف منهم جرحوا، وما يقارب نصف مليون شردوا من منازلهم ويقطنون المدارس وما توفر من السقوف المهجورة التي قد تحمي رؤوسهم من قنابل إسرائيل البربرية. آلاف من الأرواح حصدت ومازالت تحصد كل يوم بتفويض من مجلس الأمن والأمم المتحدة، والمحرك والداعم الأول لهذه المجزرة المقصودة، حاملة راية «حقوق الإنسان والديمقراطية»، شرطي العالم المنحرف عن كل الأخلاقيات، الولايات المتحدة الأميركية.

إن ما يحدث في لبنان من قتل ودمار هو أضعاف مضاعفة لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، أو في السابع من يوليو في المملكة المتحدة، إنه كما يصفه أحد الأكاديميين البريطانيين، ست مرات مضاعفة من الدمار والألم والهلع والفزع لما حدث في كل من بريطانيا وأميركا سوياً. ولكن للأسف لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا الدول الغربية الدائمة العضوية فيه، لا الولايات المتحدة ولا تابعها قفة، إمبراطورية الشمس الغاربة، تنظر لما يحدث في لبنان كما يسطره الواقع.

فبينما يصرح سفير أميركا في الأمم المتحدة جون بولتون بعدم إمكانية إيقاف القصف الصهيوني مادام العدو الذي يقاتل هو منظمة إرهابية، يثنّي ممثل الدولة الصهيونية قائلا «قبل أن نوقف القتال يجب أن نوقف الإرهاب»، قاصدا بذلك حزب الله، ولا نسمع كلمة اعتراض أو مقاطعة في الرأي من أي من الدول الأعضاء، وكأنهم تلامذة في نظام تعليمي صارم يخشون فيه عقوبة أستاذهم، في حالة مخالفته الرأي.

الجميع صامت في مجلس الأمن يقلبون أصابعهم في حيرة ويغمغمون بعبارات ليست ذات معنى، وكأنهم أمام أحجية معقدة يصعب حلها، وتنتهي جلسة مجلس الأمن بدون اتخاذ قرار، ودولة العدو الصهيوني تواصل أعمالها الإرهابية في لبنان، تقتل الأطفال وتشرد المسنين وتهدم البنية التحتية لبيروت، بحجة معاقبة حزب الله على أسر اثنين من جنودها، وهو فعل متفق عليه ومشروع عالميا في حال المقاومة المسلحة ضد أي احتلال غير مشروع.

إن هجوم إسرائيل الوحشي والإرهابي على لبنان لا ينظر إليه من قبل أميركا وتوابعها على أنه عمل إرهابي وضد الإنسانية، لأنه موجه ضد غير الغربيين، موجه نحو العرب، مسلمين كانوا أو مسيحيين أو غير ذلك، فالعرب مصنفون، حسب قوانين العالم الجديد الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها إسرائيل أن تخلقه، على أنهم من أصحاب الدماء الرخيصة التي لا يضر هدرها واستباحتها.

فعندما قتل الهجوم الإسرائيلي الجوي على جنوب لبنان ثمانية كنديين من أصل لبناني صرح جون بولتون بدم بارد أن قتل هؤلاء المدنيين بقذائف الطائرات العسكرية الصهيونية أمر مختلف أخلاقيا عن موت المدنيين الإسرائيليين بقذائف صواريخ حزب الله، حيث أنه، كما يقول، «من الخطأ أن نعطي نفس القيمة الأخلاقية للمدنيين الذين يموتون كنتيجة مباشرة لأفعال إرهابية شريرة» ويقصد هنا القتلى من اليهود، والمدنيين الذين يقتلون نتيجة دفاع عن النفس.

إن عمليات الجيش الإسرائيلي، كما يصرح بولتون، «هي عمليات لصد عدوان غاشم وللدفاع عن النفس، والذي للأسف، كما يقول، ينتج عنه أحيانا «موت للمدنيين». فإسرائيل حسب تصريح بولتون لا تقصد الإيذاء وقتل الأبرياء من أطفال وعجزة، وأن ما يحصل من تدمير لحياة هؤلاء الأبرياء ما هو إلا نتيجة يصعب تجنبها في حالة رد العدوان والدفاع عن النفس. بمعني آخر، إن ما يقصده بولتون هو أن القتلى اللبنانيين ضحايا ليسوا ذوي قيمة واعتبار، بعكس حياة المدنيين الإسرائيليين.

إن هذا التمييز «الأخلاقي» الذي يحاول بولتون طرحه هنا خال من كل قيمة أخلاقية، بل هو تمييز سياسي، أو هو بالأحرى قرار سياسي للتمييز بين حياة مجموعة من الناس كشيء ذي قيمة ومقدس، وحياة مجموعة أخرى كشيء ليس ذا معنى وقيمة. ومثل هذا التمييز المسمى «أخلاقي» يعتبر النقطة المركز لتشريع وإضفاء المصداقية على هذا العنف الشامل الذي يمارس اليوم على حياة اللبنانيين الأبرياء، «ذوي الدماء الرخيصة»، كما يصنفهم سفير أميركا.

إن ضرب دولة العدو للبنان ليس صراعاً دينياً، ولا هو من أجل الجنديين المأسورين، فقنابل العدو لم تفرق بين مسلم أو مسيحي ماروني أو غيره، وأسر جندي في وقت حرب لا يستحق كل هذا الهجوم البربري.

إن تصريح الرئيس الأميركي بأن إسرائيل من حقها أن تدافع عن نفسها وبأن كل دولة من حقها الدفاع عن نفسها- وهنا لا يقصد طبعا لبنان وفلسطين- ومن ثم تصريح وزيرته كوندوليزا، بأن ما يحدث في لبنان ما هو إلا آلام المخاض لشرق أوسط جديد، وكذلك التصعيد المستمر لتوريط إيران وسوريا في هذه الأحداث، كل هذا ليس وليد اللحظة، أو وليد الحوادث المتتالية في المنطقة، إنما هو، وكما يبدو لكل فطن، تطبيق لاستراتيجيات معدة ومتفق عليها مسبقا بين كل من دولة العدو والحكومة الأميركية.

استراتيجيات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالشكل الذي يضمن لإسرائيل تمددها وهيمنتها السياسية والاقتصادية على المنطقة. في مجلة التايمز (فبراير 2003) صرح أحد أعضاء مجلس العلاقات الخارجية الأميركي بأن «إسرائيل كانت أكبر الداعمين والمتحمسين لحرب العراق، وبأن حرب احتلال الولايات المتحدة للعراق كان المقصود منها أن تكون البداية لتشكيل الشرق الأوسط الجديد».

إن التصعيد المستمر للعنف الصهيوني الخطابي أو العسكري ضد بيروت وسوريا وإيران مقصود لتوسيع دائرة نطاق الصراع وإيجاد المبررات السائغة للولايات المتحدة الأميركية وتابعتها قفة للضغط أو التدخل العسكري، النووي إن احتاج الأمر، على كل من سوريا وإيران. إن السلام لم يكن يوما هدفا لإسرائيل، ولا هو مبدأ أساسي في سياستها تجاه المنطقة، بل هدفها هو فرض هيمنتها وسيطرتها من خلال خلق شرق أوسط جديد متوائم مع متطلبات نموها وتوسعها على جميع الأصعدة، ذلك التوسع الذي سيخدم في الوقت نفسه المصالح الأميركية ويضمن هيمنتها على منابع النفط.

إن الأيادي التي تُصيغ سياسة منطقتنا أياد ملطخة بالدماء، أياد ليست نزيهة ولا شريفة، وهي غير مؤتمنة، ولن يردع هذه الأيادي غير الشرفاء من أبناء هذا الوطن الأكبر، والذين على أيديهم سيبقى العراق، وسنسمع دق قهوته وسنشم رائحة هيله، وستبقى بيروت خيمة الأحرار والنجمة المضيئة لدروب الحرية، وسيبقى أهالي بيروت «يرقصون الساحة ويزوجون الليلك»، كما قيل عنهم يوما.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com