لا يقاس النصر في الحروب بحجم الدمار الذي يلحقه طرف بآخر، بل بالثمار السياسية التي يجنيها أي من الطرفين. وطيلة التاريخ كان هناك من يملك خطوطاً مفتوحة من الأسلحة والذخيرة والمؤن، ويضرب خصمه بوحشية وهمجية وبلا رحمة أو هوادة، لكنه يفشل في تحويل هذه الطاقة التدميرية إلى مكسب سياسي على الأرض، إما لأن الخصم يمتلك قدرة على الممانعة، أو لأن النخبة السياسية للمنتصر عسكرياً لا تفلح في توظيف ما رمته في أيديها الآلة الحربية من أوراق.

هذا التصور ينسحب كثيراً على ما يجري الآن على الأرض اللبنانية. فحتى لو انتهت الحرب الراهنة بالنيل من القدرات العسكرية لحزب الله، فإن إسرائيل لن تربح المعركة، على المستوى الاستراتيجي، إذ إن هذا الحزب لا يشكل ميليشيا مسلحة، إن قُتل جنودها ونزعت منهم البنادق والرصاص، تموت وتصبح في ذمة التاريخ،

بل هو مؤسسة كبرى، لها امتدادها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني في المجتمع اللبناني برمته، ولها علاقاتها بالخارج أيضاً، ومن ثم يمتلك قدرة غير محدودة على تعبئة الناس وتجنيدهم حول أفكاره وأيديولوجيته الدينية، وهذا يجعل بإمكانه أن يدرب آلاف الشباب على القتال المنظم، ومن ثم يحوز الممانعة سريعاً، ويعاود مناوشة العدو، ثم الاشتباك ضده في قتال جديد، إن وجد السلاح والاتفاق الداخلي على دوره.

ومنذ اليوم الأول للقتال خسرت إسرائيل ثلاثة أشياء مهمة في تفكيرها الاستراتيجي وعقيدتها القتالية، وليس بوسعها أن تعوض هذه الخسارة، مهما حاولت. وأولى هذه الخسائر أن حزب الله، من بعد حماس، أثبت أن بوسع جماعة قتالية عربية مدربة أن تدخل حدود فلسطين المحتلة (إسرائيل) وتدير معركة محدودة ضد جيشها، تنتهي بقتل وأسر جنود وتدمير آليات.

وظني أن هذا السلوك الجسور لن يتوقف أبدا، بعد البرهنة العملية على أن يقظة ومنعة الجيش الإسرائيلي محض وهم وبقايا حرب نفسية شنتها إسرائيل بانتظام على أذهان العرب ونفوسهم، فنالت من جسارتهم وشجاعتهم المعهودة إلى حين. ومن المؤكد أن القائمين على الأمور في تل أبيب يدركون هذه الحقيقة تماماً، بدليل حرصهم على التعتيم الإعلامي الشديد على ما يجري داخل إسرائيل أثناء القتال، من خسارة بشرية ومادية وهلع وارتباك.

والخسارة الثانية أن صواريخ حزب الله أضافت لبنة قوية إلى ما كانت تقوم به فصائل المقاومة الفلسطينية من عمليات استشهادية وقصف أهداف إسرائيلية بصواريخ القسام في سبيل القضاء على نظرية «الحدود الآمنة» التي بذلت إسرائيل جهدا فائقا للحفاظ عليها سنوات طويلة، ولذا أدارت معاركها ضدنا خارج حدودها، وعلى أرض عربية محتلة.

ولذا لم يكن الإسرائيليون يعانون قط من تبعات الحروب، فجيشهم كان يقاتل في كل الجبهات، وهم ينعمون بحياة هادئة تجري كما يروق لهم ويريح بالهم ويشعرهم بالسكينة والاطمئنان على مستقبل دولتهم التي زرعوها في بلادنا. أما اليوم فإن الإسرائيليين عرفوا طريقهم إلى الملاجئ، والتشرد عن دورهم، والخوف على أرواحهم، ومن ثم فإن ثقتهم في جيش بلادهم ستهتز، بعد أن اهتزت الثقة في الاستخبارات والأمن الداخلي الذي فشل مرارا في إيقاف العمليات الاستشهادية، رغم الاعتداء المتكرر على رموز المقاومة الفلسطينية، ورغم السور العنصري العازل.

أما الخسارة الثالثة فهي انكشاف إسرائيل جغرافيا واستراتيجيا، بعد أن بينت صواريخ حزب الله أنها، رغم الترسانة العسكرية التي زودتها بها الولايات المتحدة وغيرها، لا تزال جيبا استعماريا، أو مجرد جسم غريب و«دويلة مصطنعة» على غرار الدويلات التي أقامها الصليبيون والمغول في القرون الوسطى، وتمكنت جيوش العرب والمسلمين بعد منازلات متتابعة من أن تصفيها تماما.

وفي ظل تنامي ثقافة المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ونجاح جماعات منظمة مدربة في أن تفعل أكثر مما فعلته الجيوش النظامية، فإن اليهود سيجدون أنفسهم إما راغبين في النزوح عن إسرائيل، أو رافضين الهجرة إليها. ومع ارتفاع معدل المواليد بين «عرب إسرائيل» وأهل غزة والضفة الغربية، فسيصبح اليهود بعد عدة عقود من الزمن أقلية داخل «بلدهم»، تحيط بهم قوة ديموغرافية هائلة في «مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني»، وعندها ستتغير المعادلة، وسيقول المحللون بثقة وقتها إن البداية كانت في صواريخ حزب الله التي أمطرت المدن الإسرائيلية في حرب يوليو 2006.