يحاول النظام العربي الذي اخذته الحيرة منذ فترة ازاء السياسة الاميركية تجاه المنطقة ان يحقق ما لم يستطع تحقيقه في السابق، وهو الفصل بين سوريا وايران وإحداث ثغرات في هذا المحور الممتد من طهران إلى غزة مروراً بالعراق ودمشق وبيروت. النظام العربي كان يخشى خلال الشهور الماضية من ان السياسة الاميركية تحاول استرضاء ايران بمقايضة الاعتراف بالدور الايراني في المنطقة مقابل لجم البرنامج النووي الإيراني، وتحسين العلاقات الغربية معها.
وقد عقدت عدة قمم عربية ثنائية لهذا الغرض وجرت زيارات متبادلة بين دمشق وعدة عواصم عربية بهدف محاولة اقناع دمشق بفك تحالفها مع طهران مقابل حوافز سياسية، لعل أهمها تطبيع العلاقات بين سوريا ولبنان والحيلولة دون فرض عقوبات من قبل واشنطن عليها على ضوء التقرير حول اغتيال رفيق الحريري.
الآن يحاول النظام العربي العمل في ظل الوضع اللبناني الإسرائيلي في هذا الاتجاه، فهو سيحاول عزل سوريا عن حزب الله من جهة وصولاً إلى إنهاء التحالف الإيراني ـ السوري كمقدمة لتهدئة الوضع في لبنان وترتيبه داخلياً، ولعل الاميركيين يرغبون في هذا التطور باعتبار انهم بدأوا يتحدثون عن شرق أوسط جديد، لكنهم ينتظرون انجازات عسكرية إسرائيلية على الأرض تضعهم في موقع القوة،
وكذلك فإن الإسرائيليين حرصوا منذ البدء على تكرار القول بأنهم ليسوا معنيين بالمواجهة مع سوريا مفضلين القول ان يوم الحساب معها سيأتي لاحقا، وكذلك رفض الإسرائيليون الربط بين المسارين اللبناني والفلسطيني في الحرب الجارية وأصروا على ان ملف الأسرى اللبنانيين وتداعياته يجب ان يحل بمعزل عن المسار الفلسطيني.
وقد أعطى الإسرائيليون إشارات إلى الرئاسة الفلسطينية عن رغبتهم في حل مسألة الجندي الاسير لدى حركة حماس عن طريق وساطة أوروبية أو مصرية. وعرض مبعوثون أوروبيون اقتراحات بوقف اطلاق النار في غزة ووقف الاغتيالات والقصف مقابل وقف القصف الصاروخي. وهذا تناولته بعض الفصائل الفلسطينية بحذر حتى لا تبدو وكأنها تخون حزب الله الذي نفذ عملية الأسر تضامناً معها.
إذاً، ثمة حراك سياسي في المنطقة لا يشمل لبنان فقط، بل وفلسطين أيضاً. وهي الفرصة السانحة للنظام العربي ككل لتأكيد وجوده بقوة بعد ان ترك الآخرين يزحفون في المنطقة على حسابه، وكأن الحرب القائمة حالياً هي حرب تحت الطلب، طلبها الجميع. فالخطط الإسرائيلية تجاه غزة كانت معدة سلفاً قبل أسر الجندي جنوب غزة، والخطط الاسرائيلية تجاه حزب الله كانت معدة سلفاً منذ سنة وكان ثمة حديث اسرائيلي علني عن مخزون حزب الله من الصواريخ،
حتى تفاصيل السيناريو الجاري تكرر سابقاً في حرب عام 1967 عندما منحت واشنطن إسرائيل وقتاً إضافياً قبل تثبيت وقف الاطلاق، وفي حرب 1973 ايضاً سمح الاميركيون لإسرائيل بإنجاز مهمتهم في ثغرة الدفرسوار، وفي غزو لبنان 1982 طلب الإسرائيليون التوغل لمسافة 40 كيلو متراً ووافقهم الكسندر هيغ وزير الدفاع الاميركي آنذاك، لكن ارييل شارون وكان وزيراً للجيش توجه نحو بيروت واستغرق الأمر 18 سنة حتى انسحب الإسرائيليون من لبنان. وطلب شارون أيضاً ثلاثة أشهر من الرئيس جورج بوش للقضاء على الانتفاضة بالقوة ومنحه بوش المهلة ومددها، لكنه فشل في اخمادها حتى الآن.
فالهدف كان ان وقف اطلاق النار سيؤدي إلى طرح مشاريع تسوية وحلول لا يمكن لإسرائيل أن تكون لها اليد الطولى فيها دون تحقيق انتصارات على الأرض. ولهذا فوجئ الإسرائيليون بالموقف الاميركي الداعم والمساند لاستمرار الحرب على لبنان، ومنح الأميركيون إسرائيل وقتاً لإكمال مهمتها، فطورت خططها العسكرية نحو الاجتياح البري،
فيما اجتهد النظام العربي لاقناعها بالدعوة لوقف اطلاق النار فوراً لأن ثمة من يعتقد ان هزيمة حزب الله عسكرياً تبدو مستحيلة، وأن فك التحالف السوري الايراني يحقق ذلك ولا يدفع حزب الله إلى اليأس فيما بعد، بل يؤهله للاندماج في العمل السياسي لاحقاً دون العسكري.
ولكن هل يستطيع النظام العربي ان يضع تصوراً شاملاً يطال القضية الفلسطينية باعتبار ان ما يحدث في لبنان هو احدى تجلياتها وليس هو الأصل؟ وهل سيتمكن من ممارسة نفوذه السياسي والاقتصادي للضغط على المجتمع الدولي لكي يعيد الاعتبار لعملية السلام بعد ان ظلت أسيرة البيت الأبيض منذ تسلم الرئيس بوش الرئاسة الأميركية؟
إنها فرصة ذهبية للنظام العربي لكي يعيد الاعتبار إلى نفسه بعد أن أثبت عجزاً لا سابق له، فالحرب أكدت مدى هشاشة إسرائيل وهي لن تخرج منها، حتى بالانتصار، إلا وقد أصابها وهن، فهي أثبتت انها قابلة للطعن في الجنوب والشمال بأسلحة تعتبر غير متطورة،
وأنها لن تستطيع كسر شوكة تنظيمات مقاتلة مثل حزب الله وحماس بالقوة بل بالتفاوض، ولكن السؤال :هل تقبل سوريا بإعادة صياغة الوضع اللبناني بشكل يتعارض مع سياساتها؟ وهل ستقبل بشرق أوسط جديد وفق الرؤية الاميركية الاسرائيلية دون حل جذري لقضية الأراضي العربية المحتلة؟ فسوريا تؤكد انها تمسك بخيوط كثيرة سواء في لبنان أو في فلسطين، وهي لن تقبل بأن تكون في موضع ضعف لاحقاً، وستطلب أثماناً باهظة لقاء كل تنازل.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين