قبل أربعة أعوام ونصف العام، في خطابه الأول لحالة الاتحاد، أعلن الرئيس بوش أن كوريا الشمالية وإيران والعراق تشكل «محور شر» من حيث أنها عاكفة على التسلح لتهديد السلم العالمي. وفي ذلك الوقت كانت كوريا الشمالية الدولة الوحيدة من بين الدول الثلاث التي كان يعتقد أنها تملك سلاحاً نووياً أو أكثر. وكانت لدى إيران حتى في ذلك الحين نوايا نووية وكانت الوحيدة من بين الدول الثلاث التي لديها صلات مؤكدة بتنظيمات توصف بأنها تشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.
إذن ماذا فعل هذا الرئيس؟ لقد وضع نصب عينيه الدولة الأقل خطورة من بين الدول الثلاث ـ العراق ـ وزحف بنا إلى مستنقعات حرب لا تنتهي كشفت عن ضعفنا وضعف هدفنا في الوقت ذاته. أما الدولتان الأخطر من بين الثلاث ـ إيران وكوريا الشمالية ـ فلقد قدمت لهما واشنطن أعظم هدية بإهمالهما طيلة السنين الماضية، بينما كان كل تركيزنا وجهودنا الوطنية منصبة على الإطاحة بنظام صدام حسين والقيام بمحاولة ساذجة لغرس الديمقراطية في تربة هي الأكثر عقماً في الشرق الأوسط.
أعلنت الولايات المتحدة أن درعها المضادة للصواريخ جاهزة للاستخدام، لكن لم يتم اختبارها كما ينبغي بعد ـ وهذا يعني أنه لم تثبت قدرتها على اعتراض وتدمير أي صاروخ معاد في الظروف الواقعية.
ولقد قامت كوريا الشمالية باختبار صاروخ طويل المدى أخيراً، وهو عمل استفزازي حتى وإن كان الصاروخ قد انقلب وهوى خلال أقل من 40 ثانية. ومن جانبها تواصل إيران العمل على برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وهي عملية يمكن استخدامها لصنع المواد الضرورية لبناء أسلحة نووية إذا تمت المعالجة بمستويات عالية بما يكفي.
وطيلة أربعة أعوام ونصف العام ظلت إدارة بوش بعيدة عن الدبلوماسية، تاركة المفاوضات بشأن طموحات إيران النووية في أيدي بلدان أوروبية لها مصالح اقتصادية في إيران. ومن جهة أخرى أيضاً فإن المحادثات السداسية بشأن إنهاء البرامج النووية لكوريا الشمالية لم تثمر الكثير.
إذن فلنراجع الرهانات في هذا الوضع. نحن نهدد باستخدام نظام دفاعنا الصاروخي غير المجرب ضد صاروخ كوري شمالي طويل المدى غير الناجع، بينما نطالب إيران بإغلاق منشآت تخصيب اليورانيوم أولاً قبل بدء التفاوض على المشكلة.
وفي البنتاغون يعكفون على وضع خطط طوارئ لتوجيه ضربات جوية ضد منشآت إيران النووية. ويقول مخططو سلاح الجو لرؤسائهم ان بإمكانهم تدمير 85 بالمئة من المنشآت النووية بالقصف الموجه الدقيق. وربما يمكنهم القيام بذلك فعلاً لو كنا نعرف أين توجد كل هذه المنشآت. وبالمناسبة هل نمانع إذا استخدموا قنابل نووية صغيرة في ضرب تلك الأهداف؟
وحذر الضباط الأكثر حكمة بين القيادات العسكرية رفيعة المستوى من ان علينا التفكير ملياً بانعكاسات مثل هذا الهجوم على إيران، ناهيك عن استخدام القنابل النووية ضدها. أولاً، يمكن للإيرانيين أن يوقفوا صادراتهم النفطية، ليرتفع بذلك سعر النفط إلى أكثر من 100 دولار بين ليلة وضحاها.
ثم يمكنهم إغراق ناقلة نفط عملاقة أو اثنتين في الخليج، لترتفع أسعار النفط أكثر. ويمكنهم التدخل أيضاً في العراق، بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق أشقائهم الشيعة، لزيادة الضغط الكابوسي على جنودنا المستنزفين الآن حتى بدون تدخل إيران. ثم يمكنهم الإيعاز لعملائهم لشن هجمات ضخمة على المصالح الأميركية أينما سنحت الظروف بذلك.
قد يُخيل للمرء أن الرئيس بوش وزمرته تعلموا بعض الدروس خلال فترتهم في الحكم حتى الآن، حول العالم الحقيقي والعواقب الحقيقية لإطلاق التهديدات والتصرف بشكل طائش، والتفكير في الأمر لاحقاً. لقد وصلنا إلى مرحلة حساسة محفوفة بالمخاطر تستدعي استخدام براعات ومهارات دبلوماسية من نوع لم نشهده لدى الأشخاص الذين يتحكمون الآن بأقدارنا ومستقبلنا.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»