الشيء الذي أدهشني لكيلا أقول صدمني في سيل التعليقات التي سمعتها أو قرأتها هذه الأيام الأخيرة هو رد أحد قادة الجيش الإسرائيلي على سؤال لصحافي فرنسي عن مبرر استهداف المدنيين في لبنان. قال له بالحرف الواحد: إسرائيل دولة أخلاقية، وبالتالي فلا يمكن أن تفكر في قتل المدنيين عن قصد.. وتذكرت أني قبل بضع سنوات سمعت شمعون بيريز أحد حكماء إسرائيل المزعومين يقول نفس الشيء: نحن دولة أخلاقية ولا يمكن أن نفكر في الشر إلا ونحن مجبرون على ذلك.
لقد فكرت كثيراً في هذه المسألة فيما بعد وقلت بيني وبين نفسي: كيف يمكن قلب الحقائق إلى مثل هذا الحد؟ أفهم أن يدافع السياسي أو العسكري عن دولته وأفعالها ولكن أن تصل به الوقاحة إلى حد الكذب المطلق فهذا شيء يتجاوز عقلي وإمكانياتي. بعدئذ فهمت أن رجال السياسة يستخدمون أسلوب الصدمة المباشرة لقلب الحقيقة أو لطمسها كلياً من أجل أن يربكوا محاورهم أو يشلوا قدراته العقلية شللاً من اللحظة الأولى.
وعندئذ قلت بيني وبين نفسي: لحسن الحظ أني لست سياسياً بهذا المعنى ولا يمكن أن أكون. فدولة إسرائيل التي قامت من أساسها على مبدأ لاأخلاقي بالمرة ومن خلال عملية قيصرية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل تدعي على لسان قادتها، وبشكل مكشوف (عَيْني عَيْنَك)بأنها دولة أخلاقية!
في الواقع إن ما يحصل الآن في المنطقة كان مبرمجاً سلفاً من قبل الحركة الصهيونية والقوى العظمى، ولا ينبغي أن يفاجئنا على الإطلاق. قد يصدمنا، قد يرعبنا ما يحصل حالياً في لبنان وفلسطين، ولكن لا ينبغي أن يشكل مفاجأة بالنسبة لنا.
فبدءاً من اللحظة التي قرروا فيها تأسيس هذه الدولة في وطن مليء بشعبه وليس فارغاً من السكان كما زعمت الحركة الصهيونية كان واضحاً أن سلسلة من الجرائم والمجازر والكوارث البشرية سوف تحصل لا محالة. ولا تزال هذه المجازر والكوارث البشرية تتوالى فصولاً حتى الآن. فلا يمكن أن تضع شعباً محل شعب آخر إلا بعد أن تحول أحدهما إلى أنقاض!
لو أنشأوا دولة إسرائيل في أوغندا أو الأرجنتين حيث توجد مناطق شاسعة واسعة بدون سكان تقريباً لما كان هناك أي اعتراض أخلاقي على مثل هذا العمل لأن هذا التأسيس لن يؤذي أحداً ولن يطرده من أرضه أو يقتلعه من جذوره. ومعلوم أن هذه الاحتمالية كانت واردة جداً بل وكادت تنتصر في المؤتمر الصهيوني العالمي لأن هرتزل لم يحب فلسطين بعد أن زارها.. ولكن خيار فلسطين انتصر في آخر لحظة وبعد عراك شديد وتصويت عسير.. وكان أن ابتلينا بأكبر مشكلة في التاريخ المعاصر. عندئذ تردد التاريخ قليلاً أو تذبذب وتأرجح قبل أن يحسم أمره لصالح احتلال فلسطين والكارثة الكبرى.
ولكن ما معنى كل هذا الكلام الآن بعد أن حصل كل ما حصل وأصبحنا في مكان آخر أو لحظة أخرى من لحظات التاريخ والصراع الطويل؟ معناه أننا لا يمكن أن نفهم الجزئيات إذا لم نفهم الكليات وأن المخطط الصهيوني شامل وعميق أكثر مما نظن. فدولة إسرائيل تعرف في أعماق نفسها أنها تعاني من مشكلة أخلاقية أو من خطيئة أصلية رافقت نشوءها وتشكيلها. إنها تعرف أنها غير شرعية على الرغم من كل انتصاراتها في الحروب الست التي خاضتها ضد العرب (1948، 1956، 1967، 1973، 1982، والحرب الحالية).
لا مشروعية لدولة إسرائيل إلا مشروعية القوة الساحقة أو المطلقة، بالإضافة إلى الدعم الدولي الذي أصبح مطلقاً أيضاً مؤخراً بعد ضربة 11 سبتمبر وكره البشرية كلها لنا وللأصولية العمياء. صحيح أنها تتذرع بمشروعية تاريخية أو توراتية تعود ألفي سنة إلى الوراء، ولكنها غير مقنعة إلا بالنسبة لليهود المتصهينين . وربما اكتسبت بعض المشروعية على مدار مئة سنة من الصراع والتضحيات والدم المراق على أرض فلسطين. يضاف إلى ذلك أنه كلما تقدمنا في الزمن كلما زادت مشروعيتها لأن الزمن يخلع المشروعية على الأشياء..
ولكن على الرغم من كل ذلك فإنها تظل ناقصة المشروعية وبشكل موجع حتى الآن، وتظل مرفوضة راديكالياً من قبل شعوب المنطقة حتى ولو اعترفت بها الحكومات وأقامت معها علاقات دبلوماسية وزيارات مكوكية. ولهذا السبب فهي تستشرس في عرض عضلاتها وضرب خصومها بشكل موجع أيضاً.
فكلما رفضوها أكثر زاد قمعها لهم ولجوؤها إلى المشروعية الوحيدة التي تمتلكها: أي مشروعية القوة. لذلك أقول بأن القبول بوجود إسرائيل ربما كان أفضل سلاح لتحجيمها أو لترويضها أو لكبح جماحها. إذ أقول هذا الكلام فإني أخاطر بنفسي أو أعرضها لسوء الفهم في الشارع العربي. ولكن لا بأس، فبعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من دمار وخراب ينبغي على الكاتب أن يقول حقيقته ويتحمل مسؤوليته تجاه شعبه وأمته والأجيال المقبلة أيضاً وليس فقط الجيل الحالي.
كان مكسيم رودنسون قد كرس كتاباً كاملاً للموضوع التالي: إسرائيل والرفض العربي. ولن أدخل في تفاصيل أطروحاته. فقط سوف أقول بأن الرفض العربي المطلق لوجود إسرائيل لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه إلى أبد الآبدين لأسباب عديدة يصعب الخوض فيها كلها.
لماذا يا ترى؟ لأن هناك إجماعاً دولياً جباراً على الاعتراف بوجود إسرائيل. وهذا الإجماع الجبار الذي لا يشمل فقط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإنما روسيا أيضاً والهند واليابان... تحول إلى حقيقة موضوعية شئنا أم أبينا. وكل مثقف أو مسؤول عربي مدعو إلى أن يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار.
ولكن المشكلة هي أن إسرائيل حتى بعد أن نعترف بها لن تصدق أننا اعترفنا بها عن جد! فالشعب اليهودي الذي عاش تجارب تاريخية مريرة لم يعد يثق بأحد ولا بالتاريخ. والمسألة بحاجة إلى تحليل نفسي وليس فقط إلى تحليل سياسي أو عقائدي. ولهذا السبب فإن إسرائيل، وهنا أصل بيت القصيد، سوف تحاول تفكيك المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية لكي تبرر وجودها من جهة، وتستطيع أن تسيطر عليها من جهة أخرى.
من هنا نفهم سبب التركيز على تدمير البنية التحتية للبنان، وليس فقط تدمير حزب الله، عدوها الأساسي هناك. فهي تريد أن تقوم الطوائف على بعضها البعض مسيحيةن ضد مسلمين، سنة ضد شيعة لكي يتناحروا من جديد ويشكلوا كانتونات طائفية وتنتهي الدولة المركزية اللبنانية. وبالطبع فإن هذا المخطط سوف يصل إلى سوريا لاحقاً، وأما العراق فقد أصبح يغوص في مغطسه.
هذا هو هدف إسرائيل النهائي. ولن تشعر بالطمأنينة والسكينة، لن تشعر بمشروعية الوجود في المنطقة إلا بعد أن تنفذ هذا المخطط الذي تفكر فيه منذ خمسين سنة والذي يبدو أن لحظته قد حانت الآن. ولكن سوف أكون كاذباً، أو مكتفياً بنصف الحقيقة فقط إذا لم أضف ما يلي: هذا المخطط لن ينجح فقط لأن إسرائيل والغرب كله من ورائها يريده، وإنما لأن له بذوراً موضوعية في أحشاء الواقع وتراكمات التراث السائد منذ مئات السنين.
ولذلك أقول، أيها المثقفون العرب كفوا عن الكذب والنفاق، عن اللف والدوران واعترفوا بالحقيقة لأول مرة: وهي أن المرض ينخر في أحشاء الداخل ولا يمكن أن نلوم العدو لأنه يستغله لتنفيذ مخططاته ومآربه. وإنما ينبغي أن نلوم أنفسنا لأننا عاجزون عن تشكيل فكر جديد خارج إطار القومية الشوفينية أو الأصولية الظلامية أو الاثنتين معاً.
كاتب سوري
باريس
