أن تدك إسرائيل لبنان بكافة أسلحة الدمار المحرمة دوليا، وتقتل المدنيين الأبرياء، والأطفال الصغار، فهذا شيء اعتدنا عليه وعايشناه وسوف نرى المزيد منه طالما استمرت الدولة العبرية في منطقتنا العربية. وأن تدعم أميركا إسرائيل وتؤيد عدوانها الوحشي على لبنان وغزة وجنين، فهذا ليس بالشيء الجديد علينا، فأميركا لم تكن عادلة على أي نحو كان تجاه العالم العربي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

لكن الشيء الجديد والمذهل هنا أن تعلن الحصيفة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية أن ما يحدث في لبنان هو إرهاصات لبناء شرق أوسط جديد يغير المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد. وعلى ما يبدو أن الإدارة الأميركية تتعامل مع العالم العربي بوصفه كتلة واحدة من الغباء والنسيان، فقد قيل نفس الكلام حول الشرق الأوسط الجديد في أعقاب غزو العراق، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات لم يشهد العراق سوى القتل والدمار والتفتت والانقسام، ولم نر أية ملامح قادمة لأي شرق أوسط جديد.

تتسم الوزيرة رايس بالغطرسة المتناهية، ففي الوقت الذي تدك فيه إسرائيل لبنان ليل نهار، تمد أميركا إسرائيل على وجه السرعة بقنابل ذكية موجهة من أجل القضاء على قادة حزب الله. وربما لأول مرة في التاريخ الحديث نجد دولة تمد دولة أخرى بالأسلحة وهى في قمة تدميرها لدولة أخرى. لكننا مع الولايات المتحدة الأميركية نجد العجب العجاب من وحشية السياسة الخارجية الأميركية وكذبها وصفاقتها التي يتيه بها التابعون والوكلاء في المنطقة.

إرهاصات الوزيرة كوندي، التي تثير لدى البعض في العالم العربي تلك المساحات الواسعة من القبول والابتسامات التي تنقلب عبوسا وتقطيبا عند ذكر حزب الله أو حركة حماس أو أي من تلك المسميات المثيرة لوجع القلب والقرف، لا تتم إلا من خلال ذبح اللبنانيين وهدم بيوتهم فوق رؤوسهم وتعليمهم الأدب، وقتل قادة حزب الله والتخلص منهم.

هذه الإرهاصات هي التي منحت إسرائيل الضوء الأخضر من أجل تدمير لبنان، وهو الأمر الذي أكدته الوزيرة كوندي هي ورئيسها الذي أكد مرارا وتكرارا على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بأي طريقة تراها مناسبة لها.وهو الأمر الذي ظهر جليا من خلال استخدام أميركا للفيتو ضد مجرد وقف إطلاق النار من أجل إنقاذ اللبنانيين والسماح للمعونات الغذائية والطبية للدخول إلى المناطق المنكوبة.

لا تقف الغطرسة عند هذا الحد، حيث تطرح الإدارة الأميركية بمباركة إسرائيلية إمكانية انتشار قوات لحلف الناتو على الحدود اللبنانية القريبة من إسرائيل.بمعنى آخر مستتر وخبيث العمل على وجود قوات أميركية وأوروبية تحركها إسرائيل كيفما تشاء، وتمثل استعمارا جديدا للمنطقة العربية.لم يتحدث أحد بالطبع عن إمكانية وجود قوات عربية، حيث العواصم العربية بعض لا يعنيها شيء سوى تصفية حزب الله، ومحو كلمة المقاومة من الذاكرة العربية المعاصرة. لقد تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبرا غريبا فحواه طلب أحد القادة العرب من إسرائيل ضرورة العمل على التخلص السريع من حزب الله، وإغلاق ملف المقاومة إلى الأبد.

منذ اغتيال الحريري وحتى الآن يتحدث الكثيرون عن حزب الله بوصفه ألعوبة في يد سوريا وإيران، في الوقت الذي يتناسى فيه هؤلاء، أن معظم الفصائل اللبنانية الأخرى لها مرجعياتها الخارجية التي لا تتحرك إلا من خلالها وبعد مشورتها. فالبعض اتخذ من فرنسا قبلة له، والبعض الآخر يجد في أميركا الملاذ والسند، كما يحدد البعض قراراته من خلال ما تمليه عليه بعض العواصم العربية.

وعلينا هنا ألا ننسى أن البعض مازالت تحكمه ولاءاته نحو إسرائيل، والتي عبر عنها واضحة جلية إبان الحرب الأهلية اللبنانية، بما في ذلك توجيه سلاحه نحو قتل اللبنانيين أنفسهم وبمباركة إسرائيلية أميركية. الآن يتناسى البعض كل هذه الفصائل والتوجهات والمممارسات الدموية، ليحملوا حزب الله مأساة لبنان الحالية، رغم أن حزب الله لم يرفع سلاحه ضد لبنان، ولم يمارس القتل والمذابح ضد اللبنانيين مثلما اقترف البعض وذلك خلال مذبحة صبرا وشاتيلا.

ورغم الأهوال التي يشهدها لبنان، يتحدث البعض الآن في عالمنا العربي عن وساطة جديدة من أجل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي شليط. ويستعجب المرء هنا كيف يمكن لهؤلاء الحديث مع الفلسطينيين حول مصير الجندي الإسرائيلي غير عابئين بما يحدث في لبنان وغزة من تقتيل وتشريد ووحشية إسرائيلية.

لا تقف المسألة عند هذا الحد من الصفاقة والخنوع، فالبعض وصل به الأمر الآن وفي ظل حالة الهجمة الإسرائيلية النازية أن يكتب أحدهم مقالا يبين من خلاله لماذا يحب إسرائيل، متحدثا عن مناقب الدولة العبرية ومؤسساتها مقارنا بينها وبين وطنه العراقي، بدون أن يذكر كلمة واحدة عما يحدث في لبنان أو فلسطين أو حتى وطنه العراقي المكلوم. ومن يصدق أن يكتب آخر مقالا يضع من خلاله سيناريو محددا لكيفية إنهاء الحرب يتم على أساس صلح لبنان المنفرد مع إسرائيل، بحيث تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتعويض إسرائيل عن خسائرها الناجمة عن كاتيوشا حزب الله!

في زحمة العدوان على لبنان وعلى شعبه لم يفت البعض من دعاة العقلانية المبتذلة أن يذكرونا بهزائم الأمة العربية السابقة مع إسرائيل، وأن يقنعونا بأهمية عدم الجرجرة وراء حزب الله والمقاومة، فكفانا شعارات ودعاوي لا تؤدي سوى إلى المزيد من الهزائم والقتل والتدمير.لا تظهر عقلانية بعض الكتابات العربية حين تقمعنا إسرائيل وتدمرنا وتشردنا، أما حينما يقوم البعض بمقاومة إسرائيل فإن هذه الأقلام تنبري للحديث عن ضرورة التعقل وعدم الانجرار وراء أحلام المقاومة والانتصارات الواهية.

فرق كبير بين العقلانية والخنوع، وفرق كبير بين العقلانية والوهن، وفرق كبير بين العقلانية والخيانة، وعلى ما يبدو أن موقف البعض من دعاة العقلانية تجاه ما يحدث في لبنان لم يراع تلك المسافة الفاصلة بين العقلانية من جانب وبين الخنوع والوهن والخيانة من جانب آخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com