لم يكن مستغرباً أن تعرب إسرائيل عن ارتياحها لنتائج مؤتمر روما الذي انفض دون أن ينقذ ما يمكن إنقاذه في لبنان الذي ينزف دماً وتتسع على أرضه رقعة الدمار والخراب يوماً بعد يوم. انتهى مؤتمر روما بالفشل الذريع رغم أنه ضم 14 دولة، منها صفوة المجتمع الدولي وطلائعه وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.

إسرائيل، كانت على يقين بهذا الفشل، فهي محصنة مسبقا بدعم أميركي مطلق، بل تكاد الدبلوماسية الأميركية في التعامل مع قضية لبنان تكون لسان حال السياسة الإسرائيلية. ولم يكذب وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون عندما أعلن أمس أن مؤتمر روما أعطى إسرائيل «الإذن» لمواصلة عملياتها في لبنان.

وهذا صحيح، فالمؤتمرانتهى دون التوصل إلى اتفاق لوقف فوري لإطلاق النار في لبنان، واكتفى بإطلاق عبارات تكشف عدم الجدية في إنقاذ لبنان من الدمار، منها أن المؤتمر «يدعو إلى العمل فورا من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار»، و«أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون ثابتا ودائما وكاملا». و«أن هناك حاجة إلى قوة عسكرية دولية بتفويض من الأمم المتحدة لتأمين الحدود بين لبنان وإسرائيل، عندما يهدأ القتال».

نعم، لقد تحدثوا عن وقف إطلاق النار من خلال الخطب والتصريحات الرنانة وتعهدوا بتقديم مساعدات إنسانية للبنان، ولكنهم لم يحددوا موعدا واضحا لوقف العدوان الإسرائيلي المدمر. بالطبع كانت الولايات المتحدة وراء ذلك. فهي التي ترفض وقف العدوان، ولذلك أثنت إسرائيل على هذا الموقف بلسان سفيرها لدى الأمم المتحدة داني غيلرمان الذي اعتبره موقفا شديد الحزم.

الأمر المثير والغريب أن الولايات المتحدة، لا ترى في المؤتمر فشلا!، بل نجاحا لأنه حقق ما تريده واشنطن. وهذا ما أشارت إليه وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس،التي قالت إنه لا يتعين السعي إلى هدنة حتى تكون الظروف ملائمة لذلك وان الوضع لا يجب أن يعود إلى ما كان عليه. ولم تكتف رايس بالإشادة بالمؤتمر، بل كشفت عما هو أغرب، إذ أكدت أمس أن بلادها لم تكن معزولة في المؤتمر بسبب موقفها، فقد كانت هناك دول أخرى رفضت الوقف الفوري لإطلاق النار، ولم تحددها بالاسم.

وللحق، فقد كانت الدول العربية الأربع التي شاركت في المؤتمر، وهي المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ولبنان، أول من دعت إلى الوقف الفوري للعدوان دون شروط مسبقة، وكانت معهم ايطاليا وفرنسا والأمم المتحدة. وقد عبر وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي عن أسفه لعدم إصدار المؤتمر دعوة لوقف القتال، قائلا «كنت أود شيئا أكثر وضوحا».

انه أمر مؤسف، أن يتحول مؤتمر سلام، استهدف انعقاده إنقاذ لبنان فورا من العدوان المدمر، إلى مؤتمر يحرض على استمرار ذلك العدوان. لقد شدد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة خلال حديثه أمام المؤتمر على مخاطر تأجيل وقف إطلاق النار، قائلا إنه «كلما أجلنا وقف إطلاق النار، سنشهد مزيدا من القتلى ومزيدا من الدمار ومزيدا من العدوان على المدنيين في لبنان».

لبنان يدمر ليلا ونهارا. وستواصل إسرائيل عربدتها وعدوانها على الشعب اللبناني، بعد أن أتاح لها فشل مؤتمر روما - كما تقول صحيفة ليبراسيون الفرنسية أمس - مزيدا من حرية التصرف في لبنان كما تشاء دون أن تعبأ بتحذيرات الذين يرفضون تبني الموقف الأميركي.

لبنان يحترق، ولن تخمد نيران الدمار في ربوعه مادامت العدالة الدولية معصوبة العينين، ومادام القائمون على شؤون المجتمع الدولي يصرون على تنحية الشرعية الدولية وعدم فرض قواعدها في الشرق الأوسط.