حارب السودانيون الجنوب، على خلفية إهمالهم له. فكانت الكارثة على الاقتصاد والناس، وأهملوا دارفور، فجاءت صراعات القبائل أشد من حرب الجنوب، وحاول صدام تهميش الشيعة، وكل الجنوب العراقي، وتذويب الشمال الكردي لصالح السنة وتكريت، فخرج من القصر إلى الحفرة، ومنها إلى السجن..
العقل الماروني، والذي كان أكثر تعليماً، وثقافة، حاول بناء لبنان بهيمنة دينية مغلفة بروح شوفينية، فكان سقوط الجميع بحرب أهلية مدمرة، وخرجوا منها أقلية بعضها مهجر، وآخر ممزق، وفي المغرب العربي، دعمت فرنسا الأمازيغ ليكونوا في وجه العرب، ففشلوا، وحاولت بعض السلطات هناك وضعهم في الهامش، فكادت أن تنقسم تلك البلدان وتحل كارثة جديدة، لولا أن العقل ساد في الآخر وتجاوز المحنة..
شجعت ليبيا الحروب التي تتناقض مع مشروع الغرب، فدعمت الإيرلنديين، وحاربت التشاديين، وتزعمت حلقات الإرهاب العالمي مثل الألوية الحمراء وحلّقت مع الإرهابي الشهير كارلوس، لكن مع سقوط صدام، تكسرت الأنياب الحادة، وتقلمت الأظافر الطويلة، فتغير كل شيء بما في ذلك المتعاونون في المشروع النووي الليبي، الذين وضعوا على اللائحة الحمراء، بسبب كشف أسرارهم ومواقعهم..
هذه الصور تتقارب وتتباعد، حسب تواريخ أحداثها، لكنها في المجمل العام الحقيقة الدائمة لأوضاع غير مستقرة في الوطن العربي، والذين خرجوا بنتيجة مفادها أن المنطقة على لائحة المؤامرات، ربما لديهم بعض المنطق، لكن النسبة العليا يجب أن توجه للخلل الداخلي العربي.
الفلسطينيون ظلوا وقود المعارك، ومن خلال وضعهم، تم رسم الخطوط الطويلة والقصيرة لأوضاع المنطقة بدليل أنها الوحيدة التي تهدأ حالات التوتر فيها منذ نصف قرن، لكن هذا ليس عذراً يمكن أن يؤخذ مبرراً، وتعويضاً عن القصور الحاد في مناهج الدول وضعف بنيتها الأساسية في كل أطوار خدمة المجتمع ورقيه.
الشيء الذي يجب أن يراه المواطن العربي وصاحب السلطة، المتحمس المتفائل، والغارق في يأسه، أن الذين حاربوا من أجل فلسطين، فهزموا، ثم انتصروا بشكل محدود، لن يحاربوا مرات أخرى، والأسباب عديدة، إهدار إمكانات الشعوب بالتسلح الذي كان من الجيل الرابع أو الثالث في ترتيب الأسلحة المتقدمة، ثم ذهاب الاتحاد السوفياتي الذي ظل سند تلك الحروب، وآخرها تقدم إسرائيل التقني، واعتمادها على تحالف طويل الأمد مع كل مؤسسات الغرب ودوله، وقواه العظمى..
أما الذين وقّعوا على بنود السلام مع إسرائيل، فلن يتراجعوا لأن هناك شروطاً مكبّلة وضعت تلك الاتفاقات وفق أسس لا تقبل النقض، أو التراجع، وهنا جاء دور المنظمات لتكون البديل عن الجيوش، وصلاحيات الحكومات معتمدة على تحالفات إقليمية، أو دعم من قوى إسلامية، أو دولية، لتبعث الحروب من جديد مع إسرائيل، والنتيجة عدم تكافؤ القوى، وبذلك أضاف العرب بنداً جديداً في جدول هزائمهم ودمار ما بنوه في لبنان وفلسطين، والعراق.