ضمير العالم ليس في غفلة كما نتوهم أحيانا. صحيح أن العدالة أو الشرعية الدولية غائبة عن منطقتنا العربية الملتهبة، وهذا ما يجعلنا نرى المجتمع الدولي وكأنه فقد مصداقيته أو ضميره ولا يبالي بما يحدث من اعتداء على حقوق العرب في المنطقة، إلا أن هذا الغياب سببه أولئك الذين يصرون على الدفاع عن إسرائيل بالباطل وليس بالحق، ويتعمدون تغييب العدالة لإرضاء إسرائيل وتسهيل تنفيذ مخططاتها التوسعية في المنطقة.
وإذا كان العدوان الإسرائيلي على لبنان لم يجد ردعاً دولياً مناسباً، فالمسؤول هم من يريدون تسيير شؤون الكون على أهوائهم وطبقا لمصالحهم العليا حتى ولو على حساب حقوق الشعوب. هؤلاء لا يكتفون بسماع صوت الدولة العبرية التي تمارس إرهاب الدولة بشهادة محايدين غربيين، بل صاروا أبواقا لإسرائيل لها صدى في كل مكان.
وبتحيزهم لها إلى جانب سيطرة الدعاية الصهيونية على مساحات شاسعة من الساحة الدولية ـ بما في ذلك الساحة الأميركية التي يحتكرها اللوبي الإسرائيلي ـ تعثرت خطى الشرعية الدولية.
بل عجزت تلك الشرعية عن أن تفرض قواعدها وقوانينها من خلال الأمم المتحدة، وبالتحديد مجلس الأمن الذي توجز مهمته في عبارة واحدة تتردد منذ أكثر من 60 عاما على كل الالسنة وهي: «حفظ الأمن والسلام الدوليين».
الشرعية الدولية التي تتعرض للتشويش أو التحييد أو التغييب، لا وجود لها في منطقتنا العربية بعد أن صار للعدوان الإسرائيلي محامون يدافعون عنه وهم على يقين بأن ذلك العدوان «باطل».
بل لم يقتصر الأمر على مساندة إسرائيل في كل مواقفها العدوانية والاستعمارية، وإنما وصل الأمر بحماة ورعاة الدولة العبرية إلى درجة أن صنفوا من يدافعون عن أوطانهم العربية المغتصبة أو التي تتعرض للعدوان الإسرائيلي، على أنهم إرهابيون. وترسخ هذا المفهوم الباطل في أذهان بعض الأوساط الشعبية في الغرب .
انخدع الرأي العام الغربي بما تروج له الدعاية الإسرائيلية وبعض الجهات الرسمية في الغرب من أكاذيب وافتراءات ضد المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية. وهل ننسى ما فعله الغرب مع حكومة حركة حماس الفلسطينية التي انتخبها الشعب الفلسطيني بكامل إرادته.
لقد نجحت إسرائيل بفضل حماتها في الضغط على المجتمع الدولي لعزل الحكومة الفلسطينية عن الساحة وتصويرها على أنها حكومة تقودها حركة إرهابية، وأغفل الغافلون سواء عمدا أو دون قصد أن المقاومة حق مشروع تعترف به المواثيق والقوانين الدولية حتى قبل ظهور الأمم المتحدة. ولابد أن نشير إلى أن سلبية الدبلوماسية العربية في تصحيح المفاهيم الراسخة لدى الغرب والمتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، عززت أيضا من تقاعس المجتمع الدولي عن فرض شرعيته في المنطقة. تركنا الآخرين يخلطون بين المقاومة المشروعة دوليا، والإرهاب الذي يسفك دماء الأبرياء.
في ظل هذه الأوضاع والمواقف الدولية وسياسات الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة، وتعمد عدم سماع أصوات المدافعين عن أوطانهم، سيكون من الصعب أن تتحقق الشرعية الدولية في الشرق الأوسط.
ومع غياب موقف عربي حاسم وصارم وموحد، سيكون من الصعب رفع المعاناة عن الشعب اللبناني أو الفلسطيني.
إن أقصى ما نطالب به الآن هو الوقف الفوري لإطلاق النار في لبنان. وللأسف ورغم أن مؤتمر روما استهدف رفع المعاناة عن الشعب اللبناني، إلا أن المدافعين عن إسرائيل مازالوا يصرون على أن الوقت «غير ملائم» لوقف إطلاق النار. لقد اتسعت رقعة الدمار والخراب والقتل في لبنان المنكوب، ومع ذلك لا يرون أن الوقت مناسب لإخماد نيران العدوان.
تعيش أرض الأرز أبشع كارثة إنسانية في تاريخها، ولكن الوقت غير ملائم ـ كما قال الرئيس الأميركي جورج بوش ومن قبله وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ـ فمتى يحين الوقت المناسب لإنقاذ لبنان قبل إبادته؟