قبل أن تحط وزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندويزا رايس في المنطقة كتبت الديلي تلغراف البريطانية (23/7) أن «كوندي» - وهذا اسم الدلع لها - ستحاول خلق محور جديد قوامه الدول السنية لتقف ضد النفوذ الشيعي المتنامي. وكان قد سبقها وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق بطرح مثل ذلك الرأي حينما ظهر على قناة (بي بي أس) الأميركية - كما تنقل الرأي العام الكويتية 20/7 - ليؤكد أن رد بعض الدول العربية على ما يحدث في لبنان «رد مثير للاهتمام وغير مسبوق».
ويعنى به ذلك الرد الذي خرج من بعض العواصم العربية والذي حمل حزب الله نتيجة ما يجري في لبنان من تدمير إسرائيلي شامل لبناها التحتية فضلاً عن آلاف المشردين ومئات القتلى!!
وقد ركز كسينجر - وهو جمهوري - على أن إسرائيل ليست في عجلة من أمرها في وقف إطلاق النار قبل إضعاف حزب الله إلى الدرجة التي لن يكون فيها قوة فاعلة في أي ترتيبات مستقبلية. وتشير الصحف الإسرائيلية إلى أن الإدارة الأميركية متحمسة لمحاربة حزب الله وتواصل العمليات أكثر من الإسرائيليين الذين باتوا يتجرعون هول المقاومة بالذات في هجومهم البري.
وفي إطار المحور الجديد ومواقف بعض الدول العربية فقد صرح أولمرت رئيس وزراء إسرائيل بأن بعض القادة العرب أبدوا ارتياحاً لما تقوم به إسرائيل الأمر الذي دعاه إلى الطلب منهم كي يشاركوه فعلياً في تلك العملية وليس بالتأييد اللفظي وحسب!!
وإذا كان تشكيل جبهة أو محور يسير في ركاب أميركي سهلاً ويمكن تصنيفه بالشكل الطائفي الذي تريده الإدارة الأميركية، فإن الجبهة التي يفترض فيها أن تكون مضادة وتحمل صبغة طائفية معينة، هي جبهة المتناقضات التي لا يمكن أن تحمل صبغة طائفية واحدة والتي هي معادية للولايات المتحدة وتضعها الأخيرة في قائمة الدول والمنظمات الراعية للإرهاب. وهذه الجبهة تحوي «كوكتيلاً» عجيباً يتكون من إيران وسوريا والسودان وحزب الله وجماعة القاعدة بمن فيهم أتباع الزرقاوي ويضاف إليهم هذه الأيام «المحاكم الشرعية» في الصومال!!
والغريب أننا لا نعلم لأي من المحورين الطائفيين تنتمي الحكومة العراقية الحالية حسب وجهة النظر الأميركية!!
أما الأكيد فهو أن محاولة إطلاق التسميات الطائفية والمذهبية للاصطفافات الجديدة في الشرق الأوسط ما هو إلا تمويه على التسمية الحقيقية لهذا المحور الذي يسير في ركاب أميركا دون قيد اوشرط والذي إلى جانب بعض الدول العربية ستكون إسرائيل جزءاً أساسياً منه!!
وكما هو معلوم فإن أحد أهم أهداف هذا المحور هو محاربة الإرهاب، وإسرائيل هي الأعلى صوتاً في مناداتها بذلك. ولعله من أكثر المفارقات غرابة في التاريخ أن يدعي الإسرائيليون أنهم ضد الإرهاب في حين أن دولتهم التي قامت على اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها هي أول من استخدمت الإرهاب!!
ففي هذه الأيام التي تشتد فيها المعارك في لبنان، تأتي ذكرى تفجير فندق الملك داود في القدس في العام 1946 لتذكرنا بماضي إسرائيل الحقيقي. فقد قامت منظمة «أرغون» الإرهابية التي كان يتزعمها مناحيم بيغن - والذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء - بنسف ذلك الفندق مما أدى إلى مقتل 92 شخصاً. وقد احتفل حزب الليكود قبل أيام بتلك الذكرى دون أن يكترث كثيراً لاحتجاجات السفارة البريطانية!!
إن عملية تدمير لبنان التي تقودها إسرائيل تحت مبرر التخلص من إرهاب حزب الله لن تأتي أكلها كما يستخلص الكاتب هاورد لافرانشي من جريدة «الكرستيان سينس مونيتور» الأميركية (21/7)، فانتشار الجهاد كعقيدة بتنامي التيارات الدينية في المنطقة يؤجج الصراع ويعطيه زخماً للاستمرار.
ويعتقد بريان ميشيل، وهو خبير في( الحركات الإرهابية ) في راند كورب في مدينة ارلنغتون الأميركية أن بإمكان إسرائيل أن تضعف حزب الله، غير أنها لن تستطيع أن تمحي عزمه على مواصلة النضال ومقارعة إسرائيل. ويرى باحث آخر من جامعة سانت باربرا في كاليفورنيا «إن الحصار هو بالضبط ما يريده حزب الله، فهو يزيد من عزيمته في الجهاد».
ولا شك أن ما تقوم به إسرائيل هذه الأيام سيوسع العداء لها بين اللبنانيين أولاً، وبين الرأي العام العربي والإسلامي ثانياً، وبين الرأي العام العالمي ثالثاً. فآثار الدمار والقتل العشوائي وتحطيم البنى التحتية وتدمير أحياء بل مناطق بكاملها، ستخلق الغضب وستكون مقدمة لصدامات أخرى في المستقبل ربما ستكون اشد فتكاً بالذات مع تطور التكنولوجيا وقدرة المنظمات الوطنية الثورية على الحصول عليها أو تصنيعها محلياً. فإسرائيل تعتقد أنها قادرة بالقوة الغاشمة أن تخلق واقعاً سياسياً وأن تفرض وجودها كدولة، وأن تفرض التطبيع على الأنظمة العربية ثم بعد ذلك على شعوبها. وهذا وهم.
فروح المقاومة ستظل مشتعلة إلى أن يتحقق سلام مشرف بدولة فلسطينية ذات كيان حقيقي، أو أن تستعيد إسرائيل احتلال غزة والضفة الغربية، وبذلك تضع بشكل غير إرادي المقدمات الموضوعية لظهور دولة ديمقراطية جديدة يتعايش فيها اليهود مع العرب.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com