خمسون عاما انقضت على أول «مغامرة عربية»، نجحت في تحطيم حاجز الرعب من مواجهة قوى الاستعمار الدولي، بل زادت بقطعها ذيل الأسد البريطاني، ووضعت نهاية للإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وتجاوزت حسابات «سماسرة بورصة» السياسة الواقعية الذين لا ينظرون ابعد من جيوبهم، وأثبتت ان قانون الإرادة هو الصانع الحقيقي للتاريخ، وان الإنسانية في مجمل تاريخها لم تحقق تغييرا حقيقياً إلا بفضل «المغامرين» من الزعماء والقادة الذين يرفضون الخنوع للأمر الواقع، ويتمسكون بحفر مجرى جديد لأوطانهم ترتفع معه الهامات، وإلا فالاستشهاد هو الخيار الأفضل من العيش ذلا واستعبادا، وتبعية للسيد الأجنبي ووكلائه.
في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية العاصمة الثانية لمصر، عندما وقف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يعلن تأميم شركة قناة السويس، وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية، لينهي «بمغامرة» هي الأولى بامتياز مرحلة طويلة من سيطرة الاستعمار الغربي على أهم شريان ملاحي حفره الفلاحون المصريون «بالسخرة» دون اجر، وجرت فيه دماؤهم الطاهرة قبل ان تنساب فيه مياه مالحة تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط.
مغامرة عبد الناصر لم تأت وفق حسابات الواقع ولم تساير مفاهيم «كهنة» الأمر الواقع الذين يسخرون العقل والعقلانية لتبرير الدنيء من الأعمال التي لا تليق بالأحرار والشرفاء، ولم يتصور الزعماء الحزبيون في الساحة المصرية، ان عبدالناصر سينجح، بل ضحكوا في أكمامهم، مثل عواجيز الفرح، وهم يتوقعون له الهزيمة، وليس سرا ان زعماء حزب الأغلبية جمعوا باقي السياسين.
وعرضوا على مسؤولي الاستخبارات البريطانية تشكيل حكومة ظل. تساعد البريطانيين في فرض السيطرة على مصر بعد الإطاحة بعبد الناصر ورفاقه من قادة ثورة يوليو الوليدة، وفى وقاحة لا تليق الا بخدم الاستعمار، قدموا اقتراحا أسموه «إنقاذ ما يمكن إنقاذه» خلاصته إعلان الاستسلام، والتراجع عن قرار التأميم، وإعادة الحياة الحزبية وتسليمهم الحكم. بالمثل فعل قادة عرب.
فلقد تصادف ان رئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن، تلقى خبر تأميم قناة السويس، وهو في اجتماع مع نورى السعيد رئيس الوزراء العراقي، الذي لم يفوت الفرصة لتحريضه على غزو مصر لإسقاط عبد الناصر، فبحكم حدود الإدراك السياسي، لمن تربى على تقديس المحتل لم يكن يعي إمكانية مواجهة هذا المحتل، بل لا يفهمها إلا في سياق «المغامرة» التي تستحق قطع رقبة فاعلها!
في مواجهة الحلف الدنس والغزو الثلاثي «البريطاني الفرنسي الإسرائيلي» وإذنابهم من عملاء الداخل، لم يهتز عبد الناصر، ومن فوق منبر الجامع الأزهر أطلق شرارة المقاومة الشعبية، التي اجتذبت الملايين من المصريين والعرب داخل الوطن وفى منافي الغربة.
وجمعتهم على هدف واحد، إلحاق الهزيمة لأول مرة بقوى الاستكبار الغربي، لدرجة ان الراحل المخرج السينمائي العربي السوري مصطفى العقاد ومعه حشد من العمال العرب أعلنوا الإضراب في ميناء نيويورك، وقال بعدها «كنت اشعر بان قامتي تناطح السحاب ومن حقي ان افخر بأنني عربي»، وفى الخليج العربي، لم يكن الالتفاف حول المقاومة اقل بل زاد، وأجج مشاعر عربية أصيلة تتوق للحظة تحد للمحتل الغربي.
لم تنته «مغامرة» عبد الناصر بمجرد فشل الغزو الثلاثي، أو نجاح تأميم قناة السويس، بل فجر ينابيع الاستقلال العربي والإسلامي، وبفضله أصبح بترول العرب للعرب، بعد ان كان ملكا مستباحا للغرب، والاهم على ضفاف لحظة «المغامرة» انكسرت موجة المشاريع الاستعمارية التي طرحت بأسماء براقة مثل «منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط» والتي كانت تريد تجنيد الطاقات العربية لتقاتل بدلا من الغرب وأميركا ضد الاتحاد السوفييتي، وفشل بعده «حلف بغداد» وغيره من مشاريع مشبوهة تخفى بعضها في زى إسلامي لضرب حركة التحرر العربي.
الآن، وبعد خمسين عاما من «مغامرة» عبد الناصر نجد أنفسنا في مواجهة جديدة مع مشاريع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، وهى إعادة إنتاج لتلك الفاشلة بعد تطويرها، وتنقيحها بلمسات صهيونية، سواء عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز صاحب أطروحة «نحو شرق أوسط جديد» أو وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، مرورا بالنظر الصهيوني الأميركي برنارد لويس، والسفير الأميركي في العراق زلماى خليل زاد، وكلها مشاريع تلتف حول فكرة محورية واحدة هي إقامة نظام إقليمي بقيادة إسرائيل، لا وجود فيه لرابطة عربية أو إمكانية لحديث عن عروبة أو مشروع نهضة عربي.
بل فقط دويلات مفككة وطائفية، لا ترتبط ببعضها البعض إلا مرورا بالشقيقة الكبرى إسرائيل، وبدلا من ان نتغنى بان الأرض «بتتكلم عربي» سنجبر على ان توضع ترجمات عبرية على شاشات التلفزيون العربي، وفى أفضل الأحوال ستكون الدولة المحظوظة عربيا تلك التي تتحول إلى حديقة خلفية لإسرائيل.
هكذا وضع يفرض علينا للخلاص من مصيره العدمي ان نكون «مغامرين» ونعتذر للمغامر الأول عبد الناصر.