منذ أن تسلمت الإدارة الأميركية الحالية الرئاسة في البيت الأبيض بقيادة الرئيس جورج بوش ومنطقة الشرق الأوسط تحظى باهتمام ورعاية هذه الإدارة المحافظة في واشنطن، والدليل أننا أصبحنا نسمع أسماءً ومصطلحات لم نكن نسمعها عن هذه المنطقة من قبل. فتارة نسمع عن شرق أوسط قديم وتارة أخرى نسمع عن شرق أوسط كبير والآن نسمع عن شرق أوسط جديد، مما يعني أننا في المرحلة القادمة سنسمع حتماً عن شرق أوسط صغير!!.
الشرق الأوسط القديم هو ذاك الشرق الذي عرف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمر خلال فترتين هامتين وهما فترة الحرب الباردة التي شهدت صراعات أيديولوجية وسياسية وعسكرية بين قطبي العالم الشرقي والغربي بقيادة الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية. وبالرغم من سقوط القطب الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي ونشوء القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة إلا أن الشرق الأوسط القديم استمر كما أرادت واشنطن بالرغم من بعض الإجراءات التجميلية كنتيجة طبيعية للمتغير الدولي.
أما الشرق الأوسط الكبير فكان مخاضاً مؤلماً وولادة عسيرة نتيجة متغيرات إقليمية ودولية. أبرز هذه المتغيرات إقليمياً تجسد في الهزيمة العسكرية التي تكبدها العراق من قبل قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة، بعد الخطأ الجسيم الذي اقترفه نظام صدام حسين في احتلال الكويت العضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة. هذه الهزيمة لم تتوقف عند حدها العسكري، بل وضع العراق أرضاً وشعباً تحت حصار ظالم جائر استمر لأكثر من عقد الأمر الذي مهد الطريق لاحتلال العراق من قبل القوات الأميركية في مارس 2003.
إقليمياً أيضاً، بدا واضحاً أن العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين قد وصلت إلى طريق مسدود بعد فشل المفاوضات في كامب ديفيد والتي جرت برعاية أميركية رسمية وبجهود شخصية من قبل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.
فإسرائيل، مدعومة من واشنطن، أرادت من هذه المفاوضات أن يذعن الجانب الفلسطيني بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات للإملاءات والشروط الإسرائيلية، وأن يوقع سلاماً لا يتناسب والحدود الدنيا التي قبلها الشعب الفلسطيني وقيادته والعرب جميعاً، ولا تقود إلى تطبيق القرارات الدولية ذات الشأن بالقضية الفلسطينية.
ونتيجة لفشل المسار السياسي لعملية السلام ووضوح الرؤية عند الشعب الفلسطيني وقيادته فيما يخص الموقف الإسرائيلي المدعوم أميركياً، إضافة إلى استمرار الاستفزازات والمضايقات والحصار المفروضة على الشعب الفلسطيني، اندلعت انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000 وانتهى عملياً المسار السياسي لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
خلال هذه الفترة شهدت الساحتان السياستان في إسرائيل والولايات المتحدة انتخابات رئاسية وصل من خلالها اليمين المتطرف في كلا البلدين بقيادة آرييل شارون وجورج بوش اللذين أعلنا موقفاً سياسياً حاسماً تجاه عملية السلام وانتفاضة الأقصى، مطالباً الشعب الفلسطيني وقف «العنف» (الانتفاضة) قبل الحديث عن أي عودة إلى المسار السياسي والمفاوضات، وكأن المشكلة كانت تكمن في الآلية لتحقيق السلام أي «المفاوضات» وليست بـ «المواقف» الإسرائيلية المعلنة تجاه عملية السلام .
أما على المستوى الدولي فقد كانت الهجمات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة في مدينة نيويورك في 11 سبتمبر 2001 التطور الأبرز الذي نتج عنه تحول جذري في العلاقات الدولية خاصة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والدول العربية من جهة أخرى.
هذا التحول تجسد في إعلان الولايات المتحدة الحرب على «الإرهاب» في العالم ونجاح إدارة الرئيس بوش أن تقحم مفاهيم جديدة تتعلق بالإرهاب كان أخطرها الخلط المتعمد بين مفهوم المقاومة المشروعة لتحرير الإنسان والأوطان ومفهوم العمل الإرهابي الفردي والجماعي، رافضة العودة إلى اتفاقية جنيف وميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن الحق للشعوب في مقاومة الاحتلال.
ونتيجة لهذه المعايير الجديدة أصبحت حركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق «إرهابية»، وتم إدراجها على لوائح الإرهاب في واشنطن والعديد من العواصم الغربية وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان ومعظم فصائل المقاومة العراقية.
المهم أن هذه التحولات الدولية مهدت الطريق لواشنطن لإعلان الحرب على «الإرهاب» تحت غطاء أممي، واستطاعت أن تحتل أفغانستان والعراق متحججة بذرائع مختلفة لا سيما في الموضوع العراقي، لتنفيذ خطط ومشاريع أميركية في منطقة الشرق الأوسط تتعلق بالسياسات الاستراتيجية الأممية للولايات المتحدة.
ولا شك أن الحليف الاستراتيجي الأقوى لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، إسرائيل، كانت المستفيد الأول والوحيد من هذه التطورات ونجحت في استثمارها استراتيجياً وسياسياً بدعم أميركي مطلق وعلني. وأهم إنجازات آرييل شارون إسرائيلياً في هذه المرحلة تمثلت في القضاء على رمز النضال الوطني الفلسطيني الرئيس ياسر عرفات وضرب انتفاضة الأقصى والإعلان عن سياسة «انسحابات أحادية الجانب» هدفها الرئيس فرض أمر واقع في مناطق الضفة الغربية المحتلة.
أما فيما يخص منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي تحديداً فقد أعلنت الولايات المتحدة وعلى لسان وزيرة الخارجية كونداليزا رايس أن الإدارات الأميركية السابقة أخطأت خلال الستين عاماً الماضية عندما دعمت أنظمة ديكتاتورية وشمولية في العالم العربي، الأمر الذي ساهم في نشوء منظمات أصولية «إرهابية». ولذلك تركزت الجهود الأميركية منذ عام 2004 على تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير «لنشر الحريات والديمقراطية وتغيير المناهج الدينية وتحرير المرأة». ولكن كل هذه الشعارات الكبيرة انهارت عندما بدأت عملية التطبيقات العملية على أرض الواقع.
إن الانتخابات الحرة والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط أفسحت المجال للإسلام السياسي يخرج إلى السطح ويأخذ بزمام الأمور، وهذا تم ترجمته في الانتخابات الفلسطينية والمصرية وفي العراق ولبنان والمغرب. وكان المثال الأوضح في هذه التجارب فوز حماس في الانتخابات التشريعية واستلامها مقاليد الحكم والسياسة، الأمر الذي رفضته واشنطن وتل أبيب بذريعة أن حماس منظمة تدعم «الإرهاب». وانهارت الشعارات الكبيرة أيضاً عندما اكتشف العالم أن الولايات المتحدة التي تتغنى بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان تمارس سياسة البطش والعنف والتعذيب في معتقلات أبو غريب وغوانتانامو وغيرها من المعتقلات السرية، وما أكثر التقارير الأميركية وغيرها حول هذه الانتهاكات.
إذاً هناك تناقض كبير بين الأقوال والأفعال وبين المطالبات والممارسات في القاموس السياسي الأميركي. كما أن العالم لا يزال ينتقد سياسة المعايير المزدوجة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وممارساتها العدوانية على جيرانها ورفضها للشرعية الدولية في الأمور السياسية والإنسانية.
بالتالي سقط مشروع الشرق الأوسط الكبير وسقطت شعاراته، ليس بسبب الأطراف الأخرى المستهدفة من المشروع وإنما بسبب التخبط السياسي الأميركي وقصر النظر المستمر منذ 1967 تجاه منطقة الشرق الأوسط، والمشاريع السياسية غير الجادة التي تطرحها لتمرير الوقت وإعطاء إسرائيل الوقت الكافي لتنفيذ مشاريعها سواء في أوقات السلم أو أثناء الحرب.
وأخيراً نأتي إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لا جديد فيه على الإطلاق إلا إنقاذ إسرائيل من محنتها الحالية في لبنان وفلسطين، وتحديداً في لبنان لأنها تعاني أزمة معنوية قاسية بعد الفشل الكبير في تحقيق تقدم عسكري نوعي يضمن لها نجاحاً نوعياً على الجانب السياسي.
ما تريد واشنطن تحقيقه من المشروع الجديد هو التالي: أولاً، تصفية تدرجية للمقاومة الإسلامية في لبنان وما لهذا الأمر من تداعيات سلبية على المقاومة في فلسطين، بالتوازي مع إنهاء ملف الأسرى اللبناني ومزارع شبعا لإخراج لبنان تدريجياً من دائرة الصراع العربي - الإسرائيلي. ثانياً، استكمال المشروع الإسرائيلي في فلسطين تحت عنوان «انسحاب أحادي الجانب» وفرضه على السلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية بشكل تدريجي أيضاً، وبدء عملية التطبيع بين العرب وإسرائيل.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com