من الحلم أن تستعمل الجهلَ دونه
إذا اتسعتْ في الحلمِ طُرقُ المظَالمِ
ادَّرع الشامت كلمة (التكافؤ) كأنها درع سابغة من نسج داوود، يدرعها من آمن بالهوان متى شاء لتدفع عنه رماح القهر، وتخلع عليه زيّ البطولة العقلية (الدونكيشوتية). ما أيسر كلمة (التكافؤ) إذا جرى بها اللسان، وما أعسر أن تقنع بها الإنسان، وما أشقّها على الذين ألفوا العبث بحقوق العرب، لأنها إذا تحققت أوجبت عليهم ما توجبه العروبة على كل من يدعي الانتماء إليها، وما يفرضه الإسلام على كل من يؤمن به، والشامت القانت لا يريد من العروبة إلا عباءتها، ومن الإسلام إلا طول اللحية وقصر الثوب!
إن الذين دأبوا على أن يفهموا الحياة نزوات وشهوات وخضوعاً وخنوعاً، لا يؤمنون بالتكافؤ ولا يريدون أن يبلغوه لأنهم متى بلغوه فارقوا ما هم فيه من باطل وضلال. ولهذا يؤثرون الضعف على العنف، والاستسلام على الإقدام، والشهوة على النخوة ثم يشفعون ترهاتهم بأدلة عقلية، وأرقام حسابية.
يرى الجبناء أن العجز عقل
وتلك خديعة الطبع اللئيم
لم يكتف الشامت بالسخرية من المجاهدين الصادقين، بل ذهب إلى القول إنهم يغامرون! ولو كانت الحرب غير المتكافئة مغامرة خاسرة ما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم، على جبروت قريش، ولو خيفت الحربُ غير المتكافئة ما دحر أعراب نجد والحجاز دولتي الأكاسرة والقياصرة، ولا ربض كاسترو في كوبا وهو على رمية سهم من بوش منذ أربعين سنة.
ولنفترض أن الباحثين عن التكافؤ على حق، فلماذا لا ينجزوا التكافؤ طوال السنين الماضية، وفكروا فيه اليوم؟ ولماذا استطاع حفدة يأجوج ومأجوج أن يقيموا ميزان التكافؤ، وأن يتحدوا جبروت القوة العظمى نفسها لا جبروت القوة التابعة لها؟
كيف استطاعوا أن يبلغوا التكافؤ بفقرهم وصبرهم، ورسوخهم وشموخهم، وتحديهم وتصديهم، ولم يستطع العرب أن يبلغوه أو يقاربوه؟
لماذا نذهب إلى بلاد الواق واق، وعلى الشاطيء الآخر من بحر العرب دولتان أنتجزتا التكافؤ منذ سنين، وثالثة تسعى إلى إنجازه اليوم؟ أيستطيع هؤلاء أن يضربوا لنا موعداً ينجزون فيه التكافؤ؟ أبعد أن تنضب ينابيع الثروة أم قبلها؟ إذا كانت كنوز قارون لا تعادل غلة يوم مما يتدفق من أحشاء الأرض العربية إلى ظاهرها، فمتى تتدفق عروقهم دفقة دم مما يجري في شرايين الميامين من أبطال الجنوب وفلسطين؟
يبدو أن أموراً أخرى أولى بثروتنا من الدفاع عن أرضنا وعرضنا ومن مساعدة (المغامرين).
ترى ألم يكن من الأجدى أن ننفق هذه الملايين على تسليح المرابطين؟ ألم يكن من المنطق أن يعمل الأغنياء الأكفاء على إعداد الفقراء لعلهم يبلغونهم شيئاً من التكافؤ؟
لقد نسى الغني فينا أن الذين يتبرعون اليوم بأثمان أكفانهم حققوا بموتهم التكافؤ كما حققوه وهم أحياء، وحسبهم أنهم وحدهم أخرجوا المتجبرين من خنادقهم، فأنجزوا برشاشاتهم الصغيرة وصواريخهم البدائية ما لم تحقق شيئاً منه الجيوش ذات الطائرات والمدرعات والضباط حملة الأوسمة والنياشين.
تباً لوجهك يا زمان فإنه
وجه لم من كل قبح برقع
صدقني أيها المتخم بالأحلام الوردية ان مصير هذه الأمة لن يكون بعيداً عن مصير الهنود الحمر، وأنك واحد من الذين يصنعون هذا المصير، لا لأبناء بيروت والجنوب وغزة ورفح، بل لسائر أبناء الأمة العربية، وتنسى في غمرة أحلامك الوردية أن الذي يأكل أخاك اليوم آكلك غداً، وأن الذي توهمته حامياً لك هو العدو المتنمِّر لافتراسك.
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده
تصيَّده الضرغام فيما تصيَّدا
إن كل من يتحدث عن التكافؤ لا يريد غير الانكفاء، وكل من يتعلّل بالعقل لا يطلب غير الذل، وكل من يتهم الشجعان بالتهور لا يملك غير الجبن، فليقنع بما لديه وليترك القتال للأبطال، فإنهم آثروا الشرف والشظف على الترف والسرف، فليدعهم وما ندبوا أنفسهم له وليعلم أن المنكفئ لن يدرك التكافؤ ما عاش، لأنه يسير في الاتجاه المعاكس له، ولكن فليتذكر كل شامت أن «الشهداء أساس الحضارة» وأنهم «أكرم الآدميين وأنبلهم».
لقد تساءل طاغور شاعر الهند الأكبر: «تُرى.. أتذهب دماء الشهداء ودموع الأمهات في تراب الأرض هدراً، ألا نشتري بها الجنة؟»
وأخيراً نقول:
نفسي موكلةٌ بالمجد تطلبه
ومطلبُ المجدِ مقرونٌ به التَّلَفُ
كاتب إماراتي