شكلت حرب السويس التي نتجت عن العدوان الثلاثي على مصر عام 56 علامة فارقة في التاريخ الحديث بين عصرين، عصر ما قبل السويس وعصر ما بعد السويس، ليس فقط في تاريخ منطقتنا العربية والإسلامية، ولا على مستوى العالم الثالث، بل في خريطة القوى بين القوتين العظميين وفى المشهد السياسي في العالم كله.
لقد أثبتت أن الشعوب الصغيرة قادرة إذا ملكت إرادة الصمود دفاعا عن حقوقها المشروعة، أن تثبت إرادتها مهما كانت التضحيات، في مواجهة جبروت أسلحة القوة وغطرسة أعتى الإمبراطوريات، وتحمى أرضها، وتستعيد ثروتها، وتنال حقها في الحرية والحياة، وتحتل مكانتها التي تستحقها تحت الشمس.
قبل السويس كانت بريطانيا العظمى (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، لكن شمسها غربت بعد السويس، لم تكن شمس الاستعمار البريطاني فقط هي التي غربت، بل شمس القوى الاستعمارية القديمة كلها في الوطن العربي وإفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية.
لدرجة أن بريطانيا عندما أدركت أن شمس إمبراطوريتها الاستعمارية قد غابت وغاب معها رئيس وزرائها «أنتوني إيدن»، قررت الانسحاب من قواعدها في الخليج العربي طبقاً لخطة جديدة أطلقت عليها «استراتيجية شرقي السويس»®.
ولدرجة أن فرنسا بعد أن أيقنت أن عصر الاستعمار قد ولى في المنطقة العربية بعد السويس، وولى معها رئيس وزرائها «جى موليه»، اضطرت إلى التفاوض مع المقاومة الوطنية في المغرب العربي لإعلان الاستقلال. لقد شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانها الثلاثي الغاشم على مصر في أعقاب تفجير الرئيس جمال عبد الناصر.
منذ نصف قرن وبالتحديد في السادس والعشرين من يوليو عام 56، لأكبر زلزال هز المنطقة بل والعالم كله بالإعلان عن قراره بتأميم «قناة السويس» في احتفال الإسكندرية بالذكرى الرابعة للثورة المصرية. وربما يتساءل البعض، لماذا قرر عبد الناصر خوض هذه المخاطرة وهو يعلم أنها تعرض مصر لمخاطر العدوان العسكري من قوى عاتية ليس لجيشه قدرة على مواجهتها؟
والإجابة تؤكد أن المعارك المتعددة للاستقلال الوطني على امتداد الأرض العربية هي جميعها معارك لحرب واحدة متواصلة ومتعددة المراحل بين قوى الاستعمار القديم وقوى الهيمنة الاستعمارية الجديدة، وبين شعوب الوطن العربي والأمة الإسلامية، وأن معارك الاستقلال الاقتصادي هي الوجه الآخر لمعارك الاستقلال السياسي، وأن القضية الفلسطينية هي محور هذه الحرب، وأن إسرائيل كانت وستبقى قاعدة للعدوان على شعوب المنطقة.
بعد قيام الثورة المصرية كان التحرر من الاستعمار هو الهدف الأول، ونجحت الثورة في إجلاء المستعمر البريطاني من القاعدة العسكرية في منطقة قناة السويس في 18 يونيو عام 54. شعرت إسرائيل بالقلق من الانسحاب البريطاني، فشنت عدواناً عسكرياً على «غزة» فى28 فبراير عام 55، وقتلت عدداً كبيراً من الجنود المصريين نتيجة ضعف التسليح العسكري، مما أثار غضب الشعب المصري. طلبت مصر من أميركا تزويدها بالسلاح فلم تستجب، كما طلبت تمويلاً أميركيا لمشروع «السد العالي» فوافقت، بينما عرضت واشنطن التحاق القاهرة بالأحلاف الغربية والتخلي عن الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورفضت مصر.
نجح عبد الناصر في لقائه مع الزعيم الصيني «شو إن لاى» بعد شهرين من «العدوان على غزة» في مؤتمر «باندونغ» للتضامن الآفرو آسيوي، وبعيداً عن سياسة الأحلاف ومناطق النفوذ في الحصول على صفقة أسلحة سوفييتية متطورة أثارت قلق إسرائيل والغرب بعد كسر احتكار السلاح.
سحبت واشنطن بإعلان مهين عرضها لتمويل السد العالي في 19 يوليو 56، وثأراً للكرامة الوطنية ودفاعاً عن الأمن القومي ببناء الجيش المصري، وفى بناء السد العالي، لم يمر أسبوع واحد حتى أعلن عبد الناصر قبوله للتحدي بتأميم قناة السويس.
بينما تآمرت إسرائيل سرا مع بريطانيا المعادية لعبد الناصر، ومع فرنسا التي تواجه ثورة الجزائر ضد مصر، فيما يعرف بخطة «سيفر» لشن الحرب عليها، لاستعادة القناة وإسقاط النظام الثوري المناهض للاستعمار.
وبمقاومة الشعب والجيش المصري ودعم شعوب الوطن العربي والأمة الإسلامية، فشل العدوان وبقيت أعلام مصر ترفرف عالية فوق سارية قناة السويس وفوق السد العالي، إيذاناً لمرحلة جديدة من النضال التحرري العربي الذي مازال متواصلاً حتى اليوم.