قبل بدء جولتها المشبوهة في المنطقة العربية، كشفت وزيرة الخارجية الأميركية «كوندوليزا رايس» عن الأجندة الأميركية الإسرائيلية المخفية وراء العدوان الإسرائيلي الوحشي على الشعبين الفلسطيني واللبناني، والذي تصاعد في الأيام الماضية وزادت أعداد ضحاياه، خصوصاً على مدن لبنان وقراه.
وأعلنت «رايس» بلا مواربة أن الحرب العدوانية الدائرة حالياً على الأرض اللبنانية تستهدف تنفيذ المشروع الإسرائيلي القديم المسمى ب«الشرق الأوسط الجديد» عن طريق التنفيذ القسري للقرار الدولي المشبوه 1559 بالقوة العسكرية الإسرائيلية، بكل ما في ترسانة الحرب الأميركية من دعم وسلاح.
ومن هنا تتضح للشعب العربي حقيقة المؤامرة الغربية لإعادة وضع دول المنطقة تحت مناطق النفوذ الإسرائيلي بغطاء دولي وتخاذل عربي ودعم أميركي.
إذاً، كما قلنا منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة ان الموضوع ليس مجرد رد فعل إسرائيلي على أسر جندي صهيوني، من قبل المقاومة الإسلامية الفلسطينية، كما لم يكن الموضوع مجرد القضاء على مقاومة حماس، ولا تقويض حكومتها، وليس فقط تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية وفشل رهانها على نجاح مخطط الحرب بعدما حدث الاتفاق بين فتح وحماس على الوفاق الوطني، بل ما هو أبعد من ذلك وهو إخضاع فلسطين كل فلسطين للقبول بما تفرضه إسرائيل من شروط استسلامية لما يسمى بالسلام في إطار المشروع الإسرائيلي الجديد للشرق الأوسط.
تماماً مثلما لم يكن الهدف من الحرب العدوانية الواسعة النطاق على لبنان مجرد رد فعل لأسر جنديين صهيونيين على يد المقاومة الإسلامية اللبنانية، ولم يكن الهدف فقط هو شن الحرب على حزب الله، ولا تقويض البنية الأساسية للمقاومة، ولا حتى اجتياح الجنوب، كما لم يكن الهدف هو مجرد الانتقام من هزيمة إسرائيل عام 2000 على يد حزب الله وانتصار لبنان بتحرير الجنوب من الاحتلال، بل كان الهدف هو شن الحرب على لبنان..
كل لبنان، بعد فشل رهانها على عودة الحرب الأهلية نتيجة الخلاف على نزع سلاح المقاومة اللبنانية والفلسطينية تطبيقاً للقرار المشبوه 1559، بعد ما نجح الحوار الوطني في إفشال هذا الرهان.
وبكلام رايس يتضح الهدف الأكبر مما جرى ويجري ضد لبنان من عدوان، وهو إخضاع لبنان بمقاومته وجيشه الوطني وحكومته ورئاسته لشروط إسرائيل، وجعله بداية لتنفيذ المشروع المؤامرة على الشرق الأوسط الجديد، في الطريق إلى إخضاع المنطقة العربية والإسلامية دولة بعد دولة للمشروع الأميركي الصهيوني للشرق الأوسط الكبير.
وبينما تستقبل بعض الدوائر الرسمية العربية «رايس» بالاحترام وعقد التحالفات ضد المقاومة العربية وعلى عكس الإرادة الشعبية العربية والإسلامية تستقبلها الجماهير العربية بالازدراء والمظاهرات وعقد التحالفات مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد ما صدر عن «مجلس الرعب الدولي» من قرارات مشبوهة، وضد كل المشروعات الأميركية الصهيونية المتآمرة على شعوب الشرق الأوسط الجديد والكبير معاً، وضد الحرب الإرهابية والعدوانية على العرب والمسلمين في الشرق كله، وذلك بعد أن كشفت «رايس» بنفسها طبيعة المؤامرة الإجرامية.
ويبدو أن الفشل العسكري والسياسي الأميركي في العراق، وهزيمة مخططها لكي يكون «العراق الجديد» هو النموذج الأميركي الذي سيجري تطبيقه على الشرق الأوسط الجديد، وبداية إعادة إخضاع المنطقة، وإعادة ترتيب خرائطها الحدودية والطائفية والعرقية والسياسية، قد دفع أميركا إلى الاستعانة بقاعدتها العسكرية العدوانية في الشرق لتقوم بعدوانها الإرهابي الواسع على لبنان ليكون هو المفتاح البديل، والنموذج الأميركي الصهيوني الجديد المطلوب تعميمه على بقية الدول العربية والإسلامية.
ولكن ما جرى ويجري وسيجري هو العكس تماماً من كل تلك الأهداف السوداء الشريرة، نتيجة وعي الشعوب العربية والإسلامية وقدرتها على قراءة ملف المؤامرة الاستعمارية الجديدة، وبسبب بقاء ذاكرتها التاريخية الحضارية العميقة الجذور حية لصور الكفاح والنضال الشعبي ضد كل ألوان الاحتلال وشتى أنواع المؤامرات.
ويبدو أن حداثة العهد الأميركي في علاقته بالتاريخ، إلا إذا كان قيام الولايات المتحدة على أنقاض وأشلاء شعب الهنود الحمر هو التاريخ، وحقدها العدواني على الشعوب العربية والإسلامية التي بشرت في العالم برسالات السماء، خصوصاً ذات الحضارات العميقة الجذور، ذلك الحقد الذي تتوالى مشاهده في العراق المحتل مثلاً، الناتج من أن الحضارة الأميركية مجرد حضارة مادية تكنولوجية معادية للحضارة الإسلامية الإنسانية، وفاقدة للذاكرة التاريخية التي كان من الممكن أن تذكّرها أن المغامرات الاستعمارية تجربة إجرامية فاشلة، وأن كل الإمبراطوريات الاستعمارية قد غربت شمسها من سماء العالم، وأن القوة العسكرية فشلت على مر التاريخ في إطالة عمر الاستعمار وإبقاء احتلاله للشعوب.
ومن هنا يجب أن نبشر بميلاد جديد للشرق.. ليس هو الشرق الأوسط الجديد، ولكن الذي سيولد الآن وغداً هو الشرق العربي الإسلامي الموحد.
mamdoh77t@hotmail.com