وسط دفق التطورات المتتابعة في المنطقة، أخيراً، على الصعيد الميداني، وفي إطار العمل السياسي والدبلوماسي، وفي غمار الطروحات المتناقضة ووجهات النظر المتصادمة والاتهامات المتبادلة، غابت حقائق كثيرة عن الأذهان، على الرغم من اندراجها في بند البديهيات الواضحة، التي لا تحتاج إلى التأكيد عليها.

قبل أن نتطرق إلى الحقائق، التي يدهشنا حقاً أنها تدخل في بند المسكوت عنه وسط الرماد والدخان والبارود، وتحت الأفق الذي يغطي نهر الدماء العربية المتدفقة في لبنان، لا بد أن نرصد مجموعة من المواقف المهمة، التي نعتقد أنها ستترك بصمتها على تطورات المنطقة، على الأقل في المستقبل المنظور.

إذا كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لم يتردد في مطالبة إسرائيل صراحة بـ «طحن» حزب الله، فإن وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس لم تتردد بدورها في الإفصاح عما تشتغل عليه الدبلوماسية الأميركية، بعد أن أتاحت لآلة الحرب الإسرائيلية كل الوقت الذي تريده، وهو «شرق أوسط جديد»، وهذا التعبير ليس شيئاً سيئ الصيت فحسب، وإنما هو أيضاً بالغ الوضوح، حتى قبل أن تشرع الدبلوماسية الأميركية في رسم قسماته.

الصورة الواضحة التي ترتسم في ذهن الإنسان العربي، لتلخص مساهمة بعض الأنظمة العربية في التعامل مع ما جرى في المنطقة، أبرز ملامحها قيام وزراء الخارجية العرب بإحالة الملف المشتعل في المنطقة إلى مجلس الأمن، على الرغم من العلم المسبق بأن مجلس الأمن لن يهتم به في الإطار الزمني الذي يكفل إنقاذ لبنان من الكارثة التي حاقت به على يد آلة الحرب الإسرائيلية، ولن يضمن الإطار الموضوعي الذي يجنب المدنيين العرب المزيد من الويلات.

لم يقدر لحديث أدلت به شخصية عربية عامة في السنوات الأخيرة أن يحظى باهتمام كالذي حظي به حديث السيد حسن نصرالله لقناة «الجزيرة» والذي لم يتردد فيه في الإعراب عن قبوله لحياد الأنظمة العربية في الصراع بين حزب الله وإسرائيل، وتوجيهه النداء الواضح والصريح والدال والقاطع للقيادات العربية «فكوا عنا»، وأحسب أن هذا النداء الذي لا يتجاوز الكلمتين والصادر بالعامية ستتردد أصداؤه طويلاً في عالمنا العربي، على نحو لم يتوقعه أحد قط.

ولا بد لنا من التوقف عند ملمح بالغ الأهمية في المشهد اللبناني، فعلى الرغم من التركيبة السياسية والاجتماعية للبنان، التي نعرفها جميعاً، إلا أن صوتاً واحداً لم يرتفع في لبنان بما يوحي بالخروج على عباءة المقاومة، في الوقت الذي يقاتل رجالها ويضحون حتى نهاية المدى.

هذه الملامح تتعدد، ربما بلا انتهاء، وهي جديرة بالتوقف عندها طويلاً وتأملها، لكن الأولوية ينبغي أن تكون لمجموعة من الحقائق التي وصفناها بأنها تندرج في المسكوت عنه، وسط الرماد والدخان والبارود، وهذه الحقائق لا بد من التشديد عليها، لأنها ستصادفنا كثيراً ـ وربما أكثر مما يتوقع البعض ـ في المستقبل.

في صدر هذه الحقائق ما يلي:

أولاً: هذه الحرب المفتوحة، التي انطلقت فيها آلة الحرب الإسرائيلية تطحن وتدمر تحت سقف الضوء الأخضر الأميركي والصمت المتواطئ من أطراف عديدة على امتداد العالم، هي في حقيقة الأمر الاختبار الأول، وربما الحاسم، لاستراتيجية إسرائيلية جديدة، تم تبنيها أخيراً، ولم يعد وجودها سراً.

حيث تتداول مراكز الأبحاث العالمية المتخصصة النقاش بشأنها، وهي تستهدف ضمان سكوت المدافع ـ والبنادق ـ على كل الجبهات العربية، بحيث يتاح معه لإسرائيل الانصراف إلى ترتيب الداخل الاقتصادي والاجتماعي في ضوء تحرك من جانب واحد وتحت شعار أنه لا وجود لشريك فلسطيني في السلام.

العنصر الحاسم الذي جاءت هذه الحرب المفتوحة لعجم عوده واختباره من جانب إسرائيل، بعد استعدادات من الواضح أنها استمرت طويلاً، يدور حول ما إذا كان بمقدور إسرائيل أن تكمل السور الأمني حولها بالمبادرة السريعة بالعمليات العسكرية، أياً كان اتساع نطاقها، لمنع أي هجمات على إسرائيل بما في ذلك إطلاق الصواريخ عليها وضمان أن من يشنون هذه الهجمات لن يتاح لهم القيام بها مستقبلاً.

ومن هنا فإن هذه الحرب المفتوحة ـ في جوهرها ـ هي محاولة لانتزاع سلاح المقاومة وإخراج حزب الله نهائياً من معادلة المنطقة، ومن هنا على وجه الدقة جاء بعد نظر السيد حسن نصر الله في حديثه رداً على سؤال عن المعيار الذي ينظر من خلاله إلى النصر بقوله إنه استمرار المقاومة في التشبث بسلاحها.

ثانياً: هذا العنصر الحاسم يضاف إلى عنصر آخر تحرص الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة على التشديد عليه، وهو إكمال إسرائيل لتصورها لحزامها الأمني، بما في ذلك عملية التبادل في توسيع المستوطنات وزيادتها داخل هذا السور في الضفة الغربية مع إزالة المستوطنات التي يصعب الدفاع عنها خارج هذا السور.

وهذا الجانب يكفل تحقيق هدفين في آن، أولهما إكمال التصور الإسرائيلي بالحركة من جانب واحد وثانيهما ضمان أن الهامش الباقي المتاح لـ «الدولة الفلسطينية» سيظل على هذه الحال بالضبط، أي مجرد هامش، تقام فيه دولة تظل شبحية في أفضل الأحوال.

ثالثاً: يدرك الإسرائيليون أنه لن يقدر لاستراتيجيتهم أن تحقق الحد الأدنى من التماسك، إلا إذا ظلت تفتح مجالات لحوار إسرائيلي مع قيادات فلسطينية وهذه الحوارات ليست مهمة في ذاتها، بقدر ما تحرص إسرائيل من خلالها على سبر إمكانية الوصول إلى ما يصفه مخططوها بالنتيجة الحقيقية. والمرء لا يحتاج إلى التدقيق طويلاً لكي يدرك أن تلك هي القناة الأخيرة التي يبقيها الإسرائيليون لكي يتلقوا من خلالها إشعار الاستسلام الفلسطيني، الذي يتوهمون أنه سيصلهم ذات يوم.

رابعاً: يتحدث المحللون والمراقبون الذين يتابعون الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة عما يسمونه بإجماع إسرائيلي جديد حول قضايا السلام والأمن، ويشيرون إلى أنه على الرغم من النجاح الإسرائيلي في بناء مقومات الاقتصاد والبنية التحتية ورفع مستوى معيشة غالبية سكانها.

على الرغم من الضغوط المتعلقة بالاحتياجات الأمنية والإنفاق الهائل على حركة الاستيطان، فإن إسرائيل تشهد ثغرات اقتصادية ـ اجتماعية تمتد بين شرائح سكانها تهدد بتمزق شعور إسرائيل بنفسها كمجتمع وتحول دون قيام مؤسسات الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي وغيرها بتحسين خدماتها.

ومن هنا الإلحاح الإسرائيلي على أهمية أن توفر الاستراتيجية الجديدة المناخ للعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية في الداخل الإسرائيلي، ومن هنا أيضاً تأتي أهمية البعد الاقتصادي للخسائر التي منيت بها إسرائيل من جراء الحرب المفتوحة، التي أعدت لها طويلاً، وحسبت أن خسائرها ستقتصر على الطرف المتلقي لنيرانها وحده.

وتتعدد الحقائق المسكوت عنها في ظل دخان الحرب المفتوحة ولهيبها، لكنه يظل من المؤكد أن في مقدمة هذه الحقائق أن هذه الحرب ستعيد طرح الكثير من الأمور والقضايا في المنطقة على نحو يتجاوز كل توقعات من أعدوا لهذه الحرب، وأرادوها اختباراً لاستراتيجيتهم، ومن أعطوا لها الضوء الأخضر، وأسدلوا عليها ستار الصمت المتواطئ.

رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»

kamel@albayan.ae