أصبح واضحاً للعيان أن الحرب العدوانية القذرة ضد لبنان الشقيق لم تعد إسرائيلية فقط، بعد تصريح وزيرة الخارجية الأميركية يوم السبت الماضي بأن وقفها غير مطلوب إلا بما يخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد. وفي الأسبوع الماضي تحدثنا عن ربط نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيريز هذه الحرب بمشروع الشرق الأوسط ربطاً عضوياً.

ورغم كل ما نسمع ونقرأ أحياناً من أن الولايات المتحدة تخدم استراتيجية إسرائيل في المنطقة، فإننا نريد التأكيد هنا بأن العلاقات بين البلدين تقوم على أساس المصالح المشتركة، الاقتصادية بدرجة أولى، بينهما.

وفي مقال نشرته «IsraPundit» مؤخراً يقول البروفيسور بول إيديلبيرغ «إذا لن تؤيد الولايات المتحدة حرب ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي «تساخال» في هذه الحرب حتى النهاية فإن إسرائيل ستعتبر ذلك خيانة، وستتصرف بشكل آخر بعد الحرب. وهذا ينطوي على أن كل ما تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل هو مدفوع الثمن أصلاً من قبل الأولى.

إن مهندسي السياسة الخارجية الأميركية براغماتيون قبل أن يكونوا أصحاب مثل أو قيم. فالمساعدات التي تقدمها أميركا لإسرائيل أصبحت ممكنة فقط لأنها تندرج ضمن المصالح القومية الأميركية، أما إسرائيل نفسها فقد تحولت إلى صفقة أميركية استراتيجية كبرى كما يقول إيديلبيرغ.

وذات يوم قال المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي جوزيف سيسكو «لو أننا (أميركا) لا نحصل على مردود كامل لأموالنا لما كنا قد قدمنا لكم (الإسرائيليين) سنتاً واحداً».

وإذا كانت الدولة اليهودية قد تلقت من واشنطن منذ عام 1990 مساعدات بقيمة 45 مليار دولار، معظمها لأغراض عسكرية، فإن إسرائيل ظلت ملزمة بصرف حوالي 85% منها كطلبات تنفذها المصانع الحربية الأميركية، ما يخلق حوالي 50 ألف وظيفة للمواطنين الأميركيين.

ومع استمرار العدوان على لبنان تنوي الحكومة الإسرائيلية زيادة الموازنة العسكرية البالغة 4,4 مليارات حالياً بمقدار 250 مليون دولار، في الوقت الذي تنتظر إسرائيل تزويدها بصواريخ جديدة موجهة بالليزر لاستخدامها ضد اللبنانيين وربما الفلسطينيين.

وتقدم الاستخبارات الإسرائيلية لنظيرتها الأميركية معلومات لا تقدر بثمن، وفرت على الأميركيين حسب مختلف التقديرات ما بين 50 ـ 80 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 1974 ـ 1990.

كما أن الدور الذي تلعبه إسرائيل في حماية المصالح الأميركية يوفر على الأميركيين نشر عشرات الآلاف من العسكريين فوق ما هو موجود في منطقة الشرق الأوسط.

صحيح أن الاقتصاد اللبناني قد دمر إلى حد بعيد وفق خطة إسرائيلية معلنة بإعادة هذا البلد أكثر من عشرين عاماً إلى الوراء. وحتى 20 يوليو قدرت خسائر لبنان الشقيق بأربعة مليارات دولار. لكن هذه الحرب باهظة التكاليف بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي أيضاً.

لقد تعطلت مختلف قطاعات الاقتصاد والخدمات، وتقدر خسائر الاقتصاد الإسرائيلي بمئة مليون دولار يومياً. وفي اليوم الثاني للحرب هبط المؤشر الإسرائيلي للفيش الزرقاء TA-25 بمقدار 25 ,4%، ومؤشر TA-100 بمقدار 13 ,4. وقد هبط سعر صرف الشيكل الإسرائيلي بنسبة 17 ,1% ليصبح سعر الدولار الأميركي 358 ,4 شيكل.

والواقع أن هذه الحرب، إضافة إلى مجمل التوتر الحاصل في منطقة الشرق الأوسط في غزة والعراق، قد رفعت بشكل حاد من عدم الاستقرار الاقتصادي ليس في البلدان المعنية فحسب، بل وفي مختلف مناطق وبلدان العالم. يقول نائب رئيس إدارة الأسهم في «سيتي غروب» سيرغي سوفيروف إنه حتى الأسواق المالية في الدول المتقدمة لم تصمد أمام أخبار النزاع المشتعل وارتفاع أسعار النفط.

هذه المخاوف انعكست منذ اليوم الثاني للحرب على لبنان تراجعاً في أسواق أوروبا الغربية. تراوح انخفاض المؤشرات المالية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا بين 7 ,1% و 3 ,2%.

كما أنها هزت أعصاب نشطاء السوق الأميركية، حيث فقد مؤشر داو جونز 100 نقطة في ذلك اليوم وهبط إلى ما دون 11000 نقطة. وهبط مؤشر ناسداك بنسبة 35 ,0% ليصل إلى 9 ,2028 نقطة. وفي هذا الوضع لم يصمد مؤشر ptc الروسي أيضا والذي انخفض بمقدار 18 ,4% لينحدر إلى 51 ,1487 نقطة.

«لقد حاول السوق الروسي أن يقاوم الانخفاض، لكنه لم يفلح مع أي من مستويات الدعم»، - قال سيرغي دانيليوك، المدير الإداري لأك بارس فينانس، وأضاف: «خط الدفاع الأخير وهو 1500 نقطة لم يصمد أكثر من ساعة واحدة، وبعدها استسلم السوق بشكل نهائي أمام البائعين».

وحيث أكتب لكم الآن من تركيا يلحظ أن موجة الضربات في لبنان امتدت إلى السوق التركية. فهنا فقد المؤشر المالي ISE-100 في اليوم الثاني للحرب 25 ,2%. وهبط سعر صرف الليرة التركية في المعاملات الصباحية لذلك اليوم بنسبة 5 ,2%، ثم عاد وارتفع قليلاً.

وتنقل بلومبرغ عن لارسا كريستينسينا كبيرة محللي الأسواق النامية في دانسكي بنك أن قرب تركيا من البؤر الملتهبة في الشرق الأوسط ينال كثيراً من الليرة التركية. فمنذ بداية هذا العام انخفض سعر صرف الليرة التركية بمقدار 2 ,17%، وهو الانخفاض الأسوأ في العالم.

وفي الأسبوع الأول للحرب واستمرار ارتفاع الأرقام القياسية لأسعار النفط تواصل الأسواق الآسيوية الهبوط. وقد لحق الضرر قبل كل شيء بشركتي تويوتا وسامسونغ. وعموماً فقد هبط المؤشر الإقليمي العام بنسبة 8 ,1% حيث خسر 1 ,6% منذ بداية الحرب وحتى 18 يونيو.

أما البلدان الأكثر تضرراً فهما اليابان وكوريا، حيث خسر مؤشر نيكاي 8 ,2% و KOSPI 1.7% . كما هبطت المؤشرات في استراليا ونيوزلندا والهند وهونغ كونغ. الأسواق الأخرى سجلت نمواً، خصوصاً في الصين ارتباطاً بالمعطيات حول أكبر معدل نمو اقتصادي حققته البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة.

إجمالاً أدت هذه الحرب العدوانية إلى انهيار عملات عدد من البلدان النامية وهبوط في غالبية المؤشرات المالية ومزيد من الارتفاع في أسعار النفط العالمية. وكما يحدث غالباً في الأوقات الصعبة يلجأ المستثمرون إلى الأصول الحمائية.

ولذلك فقد ارتفعت أسعار الذهب والسندات الحكومية والفرنك السويسري. وإلى جانب الفرنك السويسري يشير كثير من المراقبين الاقتصاديين إلى أن الدولار الذي كان مستمراً في الهزال عاد فاشتد عوده مقابل العملات الرئيسية، بعد أن استعر أوار الحرب العدوانية.

أما البلدان المنتجة والمصدرة للنفط فتحقق أرقاماً فلكية من عائدات النفط التي رفعتها الحرب بشكل محموم، والتي يجب أن يكون فيها للبنان الشقيق حق معلوم.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com