منذ بدء العدوان الإسرائيلي الإجرامي على لبنان، والولايات المتحدة تتحدث إلى العالم بلسان الدولة العبرية، ولا تتبنى فقط المواقف الإسرائيلية، بل تحرض حكومة أيهود أولمرت على مواصلة مذابحها ضد الشعب اللبناني الصامد، ولا تبالي باتساع دائرة الدمار الذي شمل الجنوب والضاحية والعديد من المدن اللبنانية.

هذه الحقيقة التي يلمسها القاصي والداني، أكدتها بالأمس صحيفة «دي بريسه» النمساوية. فقد تحدثت عن الولايات المتحدة - التي من المفترض بعد أن صارت القطب الأوحد الأقوى في العالم أن تسهر على رعاية الأمن والسلم الدوليين وتطبيق الشرعية الدولية في كل أنحاء الكون- وأخذت عليها أنها لا تسمع سوى ما تردده إسرائيل، ولايدلي مسؤولوها بأي تصريحات مستقلة حول العدوان الإسرائيلي.

بل قالت الصحيفة إنه حين تتحدث وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس عن أن الحرب الدائرة في لبنان حاليا هي الآلام التي تسبق ميلاد الشرق الأوسط الجديد، فهي لا تدري أن هذه الحرب سيعقبها ميلاد «وحش» سيصعب الأمور على الولايات المتحدة نفسها.

لقد حاول وزراء خارجية الولايات المتحدة في سنوات سابقة أن يجدوا حلولا للأزمات في المنطقة من خلال رحلاتهم المكوكية سواء إلى البلاد الصديقة أو حتى التي لا تؤيد السياسة الأميركية، ولكن واشنطن اليوم ـ كما تشير الصحيفة النمساوية المحافظة ـ لاتتورع ـ ومعها إسرائيل ـ عن تهديد دولتين على صلة بالصراع ـ سوريا ولبنان- وترفض التفاوض معهما.

رحلة وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس ـ كوندي ـ الحالية في المنطقة، تؤكد هذا الموقف المنحاز تماما لإسرائيل. فهي قائمة على أساسين:

ـ أولا: عدم المبالاة بأطراف رئيسية معنية بالصراع ولها دورها المؤثر في المنطقة، وبالتحديد سوريا الشقيقة التي لم تتردد في أن تعلن رسميا - على لسان نائب وزير خارجيتها فيصل المقداد - استعدادها للتحاور على أسس الاحترام والمصالح المشتركة. وقبل أن تطأ قدما رايس أرض المنطقة، أعلنت واشنطن رفضها العرض السوري.

ـ ثانيا: عدم التركيز على سرعة وقف إطلاق النار، واستمرار الضوء الأخضر لإسرائيل لتواصل عدوانها الدموي التدميري على لبنان، وهذا الموقف كشفت عنه رايس بنفسها، عندما قالت إن «هناك حاجة ملحة لوقف مستديم لإطلاق النار في لبنان، غير أنه يجب أن تكون الظروف مواتية لذلك».

وهو نفس ما يتردد منذ بدء العدوان، ف«الظروف المواتية» تعني للأميركيين، تنفيذ أهداف العدوان الإسرائيلي بالكامل، أي ما أسمته رايس بآلام أو مخاض ميلاد الشرق الأوسط الجديد!

الدعم الأميركي لإسرائيل، ليس قاصرا على رفض وقف إطلاق النار وانتظار «الظروف المواتية» كما تقول رايس، بل تحول الدعم إلى تورط في العدوان على لبنان.

وهو ما كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» التي نقلت عن مسؤولين في الإدارة الأميركية قولهم إن واشنطن كثفت جهودها لإرسال قنابل أميركية «ذكية» إلى إسرائيل، وهي قنابل خارقة للخنادق تستهدف في المقام الأول الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وبوسعها الوصول إلى عمق 40 مترا تحت سطح الأرض.

بإيجاز، لانستبشر خيرا من رحلة «كوندي» إلى المنطقة، وبالطبع لا جدوى منها اذا لم تسفر عن وقف فوري لإطلاق النار.