بالطريقة التي تمارس بها اسرائيل جريمتها البشعة في لبنان سيكون من الصعب تحديد الاضرار البشرية والمادية التي تلحق بالشعب اللبناني ، وكلما تأخر المجتمع الدولي في فرص وقف لاطلاق النار في الاتجاهين فان الكارثة تصير اكبر واعمق ليس في هذه المرحلة من الصراع ولكن الى فترة طويلة من الزمن ولن «تهدأ البلاد اربعين عاما» طبقا للنص التوراتي.

الذين لم يفهموا معنى السلام الذي دعاهم العالم العربي اليه عبر مبادرات ما حلموا بها من قبل سيدفعون الثمن غاليا حتى لو تمكنوا من تحقيق اهدافهم خلال هذه الحرب الخالية من الشرف ، فقد أسسوا لعداء طويل بين اطفالهم واطفال الشعبين الفلسطيني واللبناني بل لعلهم عبثوا بمعاني الطفولة كلها وهم يقتلون على هذا النحو من الوحشية والحقد.

لم تعد المسألة مجرد قتال عسكري بين طرفين وضمن شروط ومعايير الحروب وانما اسلوب تعتمده اسرائيل يقوم على احداث الدمار الشامل من دون استخدام الاسلحة المخصصة لذلك الدمار ، وحين تتغاضى وزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس عن حجم الخسائر في صفوف المدنيين اللبنانيين جراء استمرار الغارات الجوية واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا وتعرب عن رأيها بضرورة استمرار القصف على المدن والقرى اللبنانية فانها تسجل بذلك سابقة لم يجرؤ عليها احد من قبل.. هكذا تتحدث وكأنها عضو في الحكومة الاسرائيلية وبالتالي فان الرأس الاكبر في المجتمع الدولي يقف الى جانب اسرائيل ويشاركها الاثم بصورة مباشرة.

لا جديد في هذا الامر ولكن ذلك يرينا صعوبة تشكيل موقف دولي يضع حدا لتدمير بلد عضو في منظمة الامم المتحدة وفي المعاهدات الدولية وهو بلد مسالم في جميع الاحوال ذهبت اليه الحروب ولم يذهب اليها الا بقدر ما أملت عليه كرامته الوطنية وتمسكه بوحدة وسلامة وحرية اراضيه ، ولذلك فان المجتمع الدولي مطالب بالدفاع عن لبنان وعليه ان يسابق الزمن.

لا يمكن للبلاد العربية ان تكون محايدة في هذا الصراع ، وبعضها الذي لم يوافق على مبدأ اشعال المعارك نيابة عن النظام العربي المنهك والمخترق في فلسطين والعراق والسودان والصومال وغيرها لا يعني انه يقبل برد الفعل الاسرائيلي تحت اي ظرف من الظروف ، بل لعله يرغب في معرفة الى أين سيبعث الدم اللبناني الأمة العربية هذه المرة بعد أن قادها الدم العراقي الى مدريد اثر حرب لم تكن على بال ولا على خاطر.

في هذه الاجواء ، بل وفي اعقد مما هو ظاهر منها يتحرك الاردن مراهنا هذه المرة على ان المجتمع الدولي معني بما يجري في المنطقة بشكل مباشر ولم يعد مقبولا منه ان يمارس دور الوسيط او الضمير او اي صفة من الصفات التي جعلته في الماضي خارج اطار المسؤولية الاخلاقية ، فهو يدرك الان بان بعض الاطراف التي تشكل قاعدته الاساسية متورطة ومأزومة وبحاجة الى من يخرجها من عنق الزجاجة ايضا اي ان عليه ان يعمل في جميع الاتجاهات.

من هنا فان بلدا مثل فرنسا التي تربطها بلبنان علاقات تاريخية وتربطها بنا علاقات صداقة وتعاون يمكن ان تلعب دورا مهما في اعادة تنظيم الموقف الدولي من القتال في المنطقة كلها وقد كان ذلك مضمون المحادثات التي اجراها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين مع وزير خارجيتها فيليب دوست بلازي بحيث يستطيع الاردن وفرنسا العمل معا في هذا الاتجاه فضلا عن ارسال المساعدات العاجلة للشعب اللبناني الشقيق والتي يجري التشاور حولها مع رئيس الحكومة اللبنانية السيد فؤاد السنيورة الذي هاتفه جلالة الملك امس ، وفي ذلك كسر للطوق الاسرائيلي وحفز لبقية الدول كي ترفض اللعب بمصير الشعوب ومنطق القوة الغاشمة مهما كانت مبرراتها.