من واقع التقييم الموضوعي لتوجهات السياسة اليمنية فلن نبالغ إذا ما قلنا أن هذه التوجهات قد استوعبت الهموم العربية ضمن الأولويات التي تماثل في أهميتها الشأن الداخلي إن لم تكن تفوقه بكثير في بعض الحالات.

وذلك قدرنا في اليمن لشعورنا بأن ذلك الرابط يمتد تلقائياً بالمكانة التاريخية والحضارية لهذا البلد الذي يعود إليه أصل العرب الأول ومنه خرجت القوافل العربية إلى الأصقاع لنشر راية التوحيد وعمارة الأرض على أساس تتجلى فيه معاني التعايش الإنساني النبيل.

ومن دلالات هذا الارتباط نجد أن التربية الفكرية والثقافية للإنسان اليمني لم تنفصل عن نسيجها القومي ، بل إنها ظلت منغمسة في ذلك النسيج بوصفه المكون الأصيل الذي تلتقي على قاعدته القواسم الجامعة لهذه الأمة من المحيط إلى الخليج.

وبإدراك كل ذلك يتضح تماماً لماذا تتقدم مواقف اليمن في سعيها الدؤوب للدفاع عن قضايا أمتها عن غيرها من المواقف، ولماذا تصبح هي صاحبة المبادرات الهادفة إلى تعزيز التضامن وتعميق روح الاتفاق وصولاً إلى ما يحقق وحدة الأمة والرقي بمكانتها ودورها الفاعل في هذا العصر الذي يقيم تعاملاته وعلاقاته على مرتكزات المصالح التي تكون فيها الغلبة للتكتلات القادرة على بسط نفوذها وفق حسابات سياسية واقتصادية وعلمية وثقافية.

مما يعني معه أن مثل هذا التوجه اليمني المعبر عن ضمير الأمة والمدافع عن مصالحها وآمال شعوبها هو نابع من استشعار هذا البلد لمسؤوليته التاريخية التي لا شك أن قيادتنا السياسية - بزعامة الرئيس علي عبدالله صالح - قد حملت على عاتقها هذه المسئولية بكل أمانة وصدق وإيثار خلاَّق جمع بين الحكمة والتوازن السياسي والتعامل الرصين .

ومن الطبيعي - والأمر كذلك - أن تستحوذ الأوضاع الخطيرة التي تمر بها المنطقة العربية في المرحلة الراهنة على اهتمام القيادة اليمنية، وهو ما تبلور في دعوتها إلى عقد قمة عربية طارئة تقف أمام التحديات الراهنة وما يعتمل من تطورات متلاحقة يتصدرها العدوان السافر على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وكذا التداعيات على الساحة العراقية وما تشهده من أعمال عنف تحصد يومياً العشرات من الأبرياء فضلاً عن ما يحيق بالأوضاع في الصومال وما تنذر به من عواصف محتملة على هذا البلد وعوامل الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأمام قتامة هذا المشهد الذي يكتنف أجواء المنطقة العربية فقد رأت اليمن أن من غير الموضوعي مقابلة كل ذلك بالصمت أو عدم الاكتراث، فاتجهت إلى الدعوة إلى عقد قمة طارئة بغية الخروج بموقف عربي موحد في مواجهة تلك التطورات الخطيرة، والنظر أيضاً في المعضلات التي تعيق تطبيق مبادرة السلام العربية التي تقدم بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتم إقرارها من قبل قمة بيروت وصولاً إلى تفعيل التحرك العربي في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الأمة.

ولم تكن تلك الدعوة تندرج في إطار المزايدة أو تسجيل المواقف أو لغرض البحث عن مكسب سياسي، بل إنها التي حملت في مضمونها مغزىً ودلالة واقعية على ارتباط العرب وتشبثهم بمفاهيم الحق والعدل والسلام .. ناهيك عن أن تلك الدعوة قد مثلت استجابة حقيقية للبند الذي تم التوافق عليه من قبل الدول العربية، وتم بموجبه انتظام دورية انعقاد القمم العربية سنوياً، والذي نص على أهمية عقد قمة استثنائية خلال العام إذا ما طرأ طارئٌ يتعلق بالأمن القومي العربي.

ومن هذه الاعتبارات فقد كان الهدف الرئيسي من وراء تلك الدعوة اليمنية هو لملمة تلك التباينات والخلافات التي شهدتها أروقة الجامعة العربية أثناء الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية والذين كان معولاً عليهم تحديد الخطوات الواجب اتباعها لمواجهة العدوان الاسرائيلي على لبنان.

حيث أن واقع الحال كان يقتضي التقاء العرب على مستوى القمة لتبديد حالة الإحباط التي سادت الشارع العربي عقب اجتماع وزراء الخارجية وبما يعيد ثقة الشعوب العربية بمكونات العمل القومي المشترك وقدرته على النهوض بمسئولياته في هذا الظرف الحساس، ومع ذلك فإن الأمور قد سارت في غير الوجهة التي أرادتها اليمن من خلال دعوتها إلى قمة طارئة.

وحرصاً من قيادتنا السياسية على ألاَّ تخرج الأمة من أزمة إلى أزمة أخرى أو يكون انعقاد القمة سبباً في المزيد من الانقسام فقد عملت على سحب طلبها لعقد قمة عربية عاجلة وإيقاف مساعيها في هذا الصدد، تقديراً منها لما تقتضيه مصلحة الأمة وحرصاً منها على صيانة البقية الباقية من عوامل التضامن إلى جانب إتاحة المجال أمام الجهود المبذولة على المستويين الإقليمي والدولي من أجل وقف الحرب والعدوان على الشعبين الفلسطيني واللبناني.

واتساقا مع هذه المقاصد النبيلة فإننا نتطلع إلى نجاح هذه الجهود وبما يؤدي إلى إخماد تلك النيران الملتهبة في لبنان وفلسطين وفي غيرهما من الساحات العربية، وتطويق كل التداعيات التي تغذي بيئة العنف والإرهاب وتوفر لتيار التطرف المبررات لإشاعة أجواء الفوضى والدمار في هذه المنطقة.

وبعيداً عن أية تصورات ملتبسة فإن ما يتوجب أن يفهمه الجميع بأن اليمن ستبقى حريصة على كل ما من شأنه تقوية جسور التضامن العربي، كما أنها التي لن تتأخر لحظة واحدة عن مؤازرة أشقائها في السراء والضراء .. لإيمانها العميق بأن هذا الواجب لا يحتمل أي قدر من الحياد أو حتى مجرد المناقشة، إذ أن مثل هذا الأمر بالنسبة لنا في اليمن محسوم مسبقاً، لكونه التزاماً قطعناه على أنفسنا ولن نحيد عنه أبداً تحت أي ظرف من الظروف.