تكاد تكون الحرب الحالية بين قوات العدوان الإسرائيلية والمقاومة في لبنان، الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، فقد توسع نطاق العمليات العسكرية ووصل إلى حدود المكاسرة في لعبة «عض الأصابع » بين عدوان إسرائيلي فاجر وبين مقاومة مسنودة بالدعم الشعبي والرسمي اللبناني.

وما زاد من اليقين المريح لدى الشارع اللبناني والفلسطيني والعربي على وجه العموم، هذا الكم المتزايد من الصمود المشحون ببواعث الأمل في المنازلة وفي قبول التحدي بعد أن اعتقدت حكومة ايهود أولمرت بأن الدولة العبرية الصهيونية ستبقى إلى الأبد قوة لا تهزم، ولن تؤثر فيها الضربات التي تأتيها من شعب مقهور ومظلوم.

فالوعد الصادق يصنعه شعب لبنان، والوعد الصادق يتحول إلى تضامن واسع وعملي مع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، والوعد الصادق يتزين بالكاتيوشا التي غمرت وتغمر كل مستعمرات الاحتلال شمال فلسطين حتى قمة الجرمق في مدينة صفد وفي عكا وحيفا وطبريا في عمق منخفض الجليل الشرقي من فلسطين المحتلة عام 1948.

وفي الوعد الصادق، غرقت البارجة الإسرائيلية ساعار، وهي البارجة التي كانت تطلق حممها الثقيلة على ضاحية الفقراء الجنوبية من بيروت، وخرج الشعب اللبناني على امتداد خارطة لبنان، يكسر قوقعة الطوائف ويقفز عنها، يفرح منتشياً بإرادة الصمود التي لم تتآكل بالرغم من الظلام الدامس المخيم على المنطقة بأسرها منذ كارثة حرب الخليج الثانية. فقد غيرت المقاومة اللبنانية والمقاومة في فلسطين قواعد اللعبة السياسية في ساحة الصراع الأساسية في الشرق الأوسط، وانتقلت بالمنطقة منذ فترة رويداً رويداً من ستاتيكو الجمود إلى ستاتيكو آخر يحمل في أحشائه شيئاً من التحول الديناميكي الآتي.

الوعد الصادق على أبواب مستعمرة زرعيت، والوعد الصادق بالصمود الهائل للشعب اللبناني، وأبناء الجنوب والضاحية منه على وجه الخصوص في حارة حريك، والليلكي، والرمل العالي، ورمل الظريف، والغبيري، والشياح، وبئرالعبد، وصولاً إلى الأوزاعي وشاتيلا.

والوعد الصادق في التحالف والتشارك المصيري مع الشعب الفلسطيني في سيرته الملحمية التي يكتبها كل يوم بالجمر المتقد على أرض فلسطين، في وقت عز فيه التضامن مع شعب جريح يقاتل بلحمه وجسده العاري أعتى آلة دمار في العالم، ويحفر بأظافره مسيرته نحو الحرية والاستقلال. والوعد الصادق من لبنان رداً على الذين أرادوا له أن يكون فلسطين ثانية، مجروحا، مثلوماً، مكلوماً، ومألوماً، وعاجزاً عن الدفاع عن نفسه.

في مستعمرة زرعيت، زرعت المقاومة اللبنانية وحزب الله، نتائج جهود مضنية، فاختارت المستعمرة المشار إليها، لما تمثله من موقع وجغرافيا، وتحشد لقوات الاحتلال المنتخبة. فنجحت المقاومة وفشل العدوان الإسرائيلي، وبقيت هامات اللبنانيين شامخة بالرغم من هول القصف الجوي والبحري الإسرائيلي وفظائعه، والاستخدام العنيف لمنطق القوة والغطرسة.

تعتبر مستعمرة زرعيت الملاصقة تماماً للحدود الدولية اللبنانية مع فلسطين المحتلة، والمقامة فوق أنقاض مساحات من القرى الفلسطينية السبع المدمرة منذ العام 1948، إحدى المستعمرات التي كانت هدفاً دائماً لنيران قوى المقاومة الفلسطينية أثناء التواجد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، كما كانت هدفاً دائماً للعمليات الاستشهادية، حيث سقط على مداخلها وفي داخلها العشرات من الشهداء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومن حركة فتح على وجه الخصوص.

وفي التصنيف الصهيوني فان مستعمرة زرعيت من المستعمرات شبه العسكرية التي أسستها وحدات الناحال العسكرية الصهيونية أواسط الخمسينيات من القرن الماضي ومعها مستعمرات: مسكاف عام، كفار جلعادي، كفار يوفال، شيريشوف، متوله (المطلة)، أدمس، فشكول، المنارة، كفار شامير (أم العقارب)، معياف باروخ فضلاً عن مستعمرة كريات شمونه (الخالصة) التي تعتبر إحدى المستعمرات الرئيسية في منطقة أصبع الجليل (الجليل الشرقي)، بعد أن استكملت قوات الاحتلال تدمير واقتلاع قرى طربيخا، قدس، المالكية، هونين، النبي يوشع، صلحا، ابل القمح وطرد أبنائها نحو العمق اللبناني.

ان مستعمرة زرعيت المقابلة لبلدة كفركلا اللبنانية ولقرى عيترون، ومروحين، وعيتا الشعب، ومارون الراس، مركز عسكري لجيش الاحتلال فضلاً عن كونها موقعاً استيطانياً استعمارياً لمجموعات من القادمين اليهود إلى أرض فلسطين من مناطق شرق أوروبا. وقد طرأ التحول في بنيتها، مع التحول العام الذي أقرت بموجبه الهيئات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بتحويل المواقع الاستيطانية الحدودية إلى ما يشبه القلاع العسكرية المتحركة على رقعة الشطرنج، في مهمة مزدوجة عسكرية وأمنية فضلاً عن دورها الاستيطاني، فانقلبت إلى مستعمرة «ناحال» وفق التصنيف الاستيطاني الصهيوني.

وعليه، فان استهداف حزب الله وجناحه العسكري في المقاومة الإسلامية لمستعمرة زرعيت لم يأت من فراغ، بل جاء في سياق الدراية الكاملة لدور المستعمرة المذكورة التي تحتشد داخلها وحولها قوات جيش الاحتلال، فضلاً عن الأفضلية العملية لجهة إمكانية اختيارها كهدف منتخب لاختطاف وقتل جنود جيش الاحتلال.

ان مقابر الأرقام المقامة بالقرب من موقع جسر بنات يعقوب إلى الجنوب من جسر المجامع على الحدود السورية الفلسطينية، تضم بين ترابها جثامين ورفات المئات من الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين ومن عامة العرب الذين استشهدوا في صفوف المقاومة الفلسطينية وفصائلها المقاتلة أثناء اقتحام مستعمرة زرعيت وعموم المستعمرات الإسرائيلية الاستيطانية المقامة في منطقة الجليل شمال فلسطين،

ومطاري البصة وروشبينا (الجاعونه)، وفي منطقة إصبع الجليل المجاورة لقطاع العرقوب وكفر شوبا، وحاصبيا، وهي المنطقة التي كانت تعرف إسرائيلياً بـ «فتح لاند »، حيث كانت تتواجد قوات العاصفة التابعة لحركة فتح في المنطقة المذكورة بكثافة كبيرة بين أعوام 1968 إلى 1982.

وخلاصة القول، وفي العودة إلى مقالنا الرئيسي، نستطيع القول بأن أمطار الصيف الإسرائيلية التي أرادتها قوات الاحتلال رصاصاً مدوياً فوق رقاب ورؤوس الشعب الفلسطيني، وعناقيد من الغضب على جسد الشعب اللبناني، تحولت إلى أمطار حامضية تفتك بجيش الاحتلال، في تحول نوعي بارز بين قواعد قديمة رسمتها سطوة جيش الاحتلال وبين قواعد جديدة كرستها انتفاضة الشعب الفلسطيني وصمود لبنان.

كاتب فلسطيني ـ دمشق