بعد قرابة أسبوعين من العدوان على لبنان، مازال هذا البلد مستعصياً على الجيش الإسرائيلي المدعم بأحدث الأسلحة الأميركية، لا شيء يوحي بأن إسرائيل أفلحت في تدمير قوة المقاومة اللبنانية. فالصواريخ لا تزال تسقط على حيفا مسقطة عشرات القتلى من الإسرائيليين، والمستعمرات الصهيونية في شمال فلسطين لاتزال غير آمنة، وحتى الدبابات الإسرائيلية غير قادرة على التقدم براً، وفشلت في العديد من المرات في تنفيذ هجومها البري.

كل هذه المعطيات تكشف أن قوة إسرائيل تم تضخيمها، وان الخضوع العربي للشروط الصهيونية كان خيارا ولم يكن أمراً مفروضا أو نتيجة لحسابات واقعية. فتصوروا أن المقاومة في لبنان في ردها على الهجمات الإسرائيلية لو تم مثلا تدعيمها من بلد أو بلدين عربيين أو حتى من الجيش النظامي في لبنان،

فإن الأمور كانت ستتجه دون شك إلى إلحاق هزيمة كبرى بالجيش الإسرائيلي، أو على الأقل توقيف إسرائيل لهجماتها دون الاعتراف بفشلها، حيث ستبحث عن كل الطرق الدبلوماسية لتسوية الوضع مع لبنان والاستغناء كليا عن الحل العسكري، وهو ما يساهم في التقليل من حجم الخسائر البشرية جراء العدوان. ان عجز العرب عن توفير النصاب القانوني لعقد قمة عربية طارئة لمواجهة الوضع زاد من قوة إسرائيل وثقتها بنفسها في مواصلة عملياتها في فلسطين ولبنان.

أما عن معركة اليوم، فمن السذاجة ربطها بأسر جنديين إسرائيليين، بل جاءت لإحداث هزة تدفع المنطقة باتجاه آخر مثلما حدث مع احتلال العراق وسقوط بغداد. لكن معركة اليوم أصعب من معركة الأمس، فإسرائيل وأميركا أمام عدو لا يملك مؤسسات ودبابات وطائرات، وإنما قوة هلامية تمتد قوتها من مدّ شعبي، كان قد هزم إسرائيل التي احتلت عام اثنين وثمانين معظم لبنان وخرجت منه عام ألفين تحت ضربات مقاتلي حزب الله الذي لم يكن يملك أسلحة كالتي يملكها اليوم.

من المؤكد والواضح ان العدوان على لبنان وتدمير بنيته التحتية وقتل كل الأبرياء، ليس لمجرد استعادة الجنديين الأسيرين لدى حزب الله. بل ان المسألة تكاد تشبه ما حدث في 11 سبتمبر، حين تم تغيير وجه العالم كله استنادا إلى أحداث ذلك اليوم. اليوم إسرائيل تريد ترتيب أوضاع لبنان عسكريا، بل سوريا وإيران ثم المنطقة كلها، بعد ان عجزت مع أميركا عن ترتيبها سياسيا.

اليوم يراد استغلال عملية أسر الجنديين لإحداث كل التغييرات المطلوبة في لبنان وسوريا وضرب إيران معهما، من أجل استكمال أجندة الشرق الأوسط الكبير، والقضاء على كل مقاومة وكل ممانعة وكل نفس مناهض للركوع الشامل أمام هذا المشروع الامبريالي الخطير. وبدل ان يعود العرب إلى الوعي الذي افتقدوه ويعيدوا ترتيب أوراقهم بمساندة المقاومة اللبنانية بكل الأشكال، وهي تتصدى بكل جسارة لآلة الحرب العسكرية الإسرائيلية، نراهم في انقساماتهم حول من كان السبب في الحرب على لبنان بدل توحيد الكلمة.