أصبحت المنطقة العربية في أتون الصراع خلال أيام معدودة وشبت النار على معبر كيرم شالوم لكنها امتدت شمالاً متجاوزة حدود فلسطين المحتلة ليصل الشرر إلى لبنان، وأثبتت التداعيات أن العالم العربي يعاني أزمة عميقة، أولاً في رؤيته لمشكلاته، وثانياً في تصوره لحلها، وتأكد ربما للمرة الألف أننا مختلفون حكاماً ومحكومين عامة ومثقفين، وأن الخيمة التي تظلنا تخفي الكثير من الثقوب وربما القنابل الموقوتة والألغام المزمنة.
فالخلاف يبدأ من توصيف الواقع إلى معايير تقييمه إلى التصورات المختلفة لحل الأزمة الراهنة وجذورها المزمنة، وهذا هو الخطر الحقيقي على مستقبلنا، فالحرب ليست مفردة جديدة على قاموس حياتنا اليومية بل ربما لم تغادره، لا قبل الحرب الباردة ولا أثنائها ولا بعد أن وضعت أوزارها على جانبي الأطلسي، وكأنها قررت أن تتحول من باردة إلى ساخنة وأن تستوطن الخارطة العربية.
وأول ما كشفت عنه الأزمة الراهنة هو حاجتنا للتفرقة بين الوطن وميدان الحرب، فالوطن مكان يعيش فيه الناس ويتنفسون في فضائه، وحتى لو كانوا مقاومين يصرون على الوقوف في خندق المواجهة فالوطن يظل وطناً وليس ميداناً للحرب ولا يجوز أن يكون، وإزالة الخطوط الفاصلة بين الوطن وميدان الحرب أو إنكارها أو رفض الإقرار بوجودها يعني عسكرة كل شيء وسيادة منطق القوة وفرض الإرادة، وفي الوطن الذي يتحول إلى ساحة حرب لا مكان لمواطنين لهم حقوق وحرمات ووجود إنساني تجب صيانته، بل يصبحون «وطنيين» يقاتلون أو يتحولون إلى أرقام في كشوف الضحايا.
والتفرقة تقتضي بالقدر نفسه احترام التراتبية السياسية التي يفرضها قانون الوطن والعمل تحت سقفها والسعي لتغيير القرار السياسي بالآليات التي تفرضها طبيعة الحياة في الدولة حتى لو كان الأمر هو مصير المقاومة.
وقد كشفت الأزمة اللبنانية عن نوع من الانتقال غير الطبيعي لوظائف الدولة خارجها، حيث يشهد العالم العربي ظاهرة «الحركات المسلحة الشعبية» التي تقوم مدعومة بمشاعر حماسية بمهمة الدفاع عن الدولة، وهو وضع معكوس إذ الطبيعي أن تقوم الدولة بحماية المدنيين عبر مؤسستها العسكرية، وإذا كان الظرف الاستثنائي الذي خلقه وجود الكيان الصهيوني وعدوانيته التوسعية قد منح لهذه التكوينات شرعية الوجود.
فإنها تظل استثناءً ويظل الأصل إصلاح أي تشوه يطرأ على بنية الدولة وفي مقدمتها أن تكون الطرف الوحيد المخول حق اتخاذ قرار الحرب وتنفيذه، والخوف على فلسطين التي شكل ضياعها النكبة الأكبر في التاريخ العربي الحديث لا يجوز أن يتخذ مبرراً لأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة ثم يصبح الحديث عما ينبغي أن يكون كما لو كان صوتاً نشازاً يخرق إجماعاً وطنياً ما.
والعدوانية الصهيونية ليست جديدة على العالم العربي ولا يتصور أحد أن تكون جريمتها بحق لبنان مقبولة أو مفهومة أو مبررة، وبما أنها ليست جديدة فليس الحل الصحيح في مواجهتها تغييب كل الاعتبارات الموضوعية التي تحكم المواجهة معها، فالشعوب حتى مع اشتعال المعارك في الميدان يمكنها أن تفكر وتقيم بشكل يتناسب مع كونهم منتسبين إلى «وطن»، ويبقى قانون ميدان المعركة محل الاحترام التام في مكانه الصحيح حتى تبقى الخطوط الفاصلة واضحة بين الوطن والميدان.
ومن المشكلات التي تعكسها الأزمة أيضاً أننا ما زلنا أسرى المنطق الحدي البسيط ـ وهي بساطة قاتلة ـ منطق «مع» و«ضد»، فإما أن يكون المرء مع المقاومة وبالتالي يكون مع كل ما يحدث باسم المقاومة ويمتنع عن الانتقاد أو التقييم، وهو امتداد للمشكلة السالفة الذكر التي لا تضع خيطاً فاصلاً بين من يحمل السلاح في الميدان ومن ينظر للصورة من خارج ميدان الحرب فالوطن كله ميدان حرب وكل أبنائه جنود لا يقبل منهم إلا ما يقبل من الجنود وهو الطاعة والقتال بحماس.
وهذا المنطق للأسف الشديد يستمد قوته الدافعة الرئيسة من الطبيعة الحماسية للقسم الأكبر من الخطاب التحليلي العربي فهو في الحقيقة خطاب حماسي لا يخاطب العقل بل يتلاعب بعواطف الجماهير وللجماهير منطقها.
وهو في الوقت نفسه يفصل المشهد الراهن عما قبله وبعده ويركز فقط على فعل «المقاومة» وهو فعل نبيل دون شك لكنه يظل جزءاً من رؤية، ويقع هذا الخطاب في تناقض واضح عندما يقرر فصل الكارثة عن أسبابها المباشرة بينما يصلها بأسبابها البعيدة التاريخية المزمنة، وكأن عملية أسر الجنود الإسرائيليين رد مباشر على اتفاقية سايكس بيكو أو وعد بلفور.
ويزداد الأمر إرباكاً عندما يصبح الإعلام العربي مزدحماً بدعوات للتعامل مع الحدث وتداعياته بشكل «معقم»، فيصبح كل ربط بينه وبين ملفات إقليمية أخرى أو أجندات لقوى مستفيدة أو متضررة ضرباً من الانتحار يدفع من يقترفه الثمن اتهاماً بكل ما عرفه قاموس السباب السياسي العربي وما أغناه!
والأمم في لحظات كهذه تحتاج البصيرة بأكثر مما تحتاج الشجاعة والحماس، وهو ما أدركته القريحة العربية منذ قرون:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أولا وهي المحل الثاني
وفي أي صراع مزمن كالصراع العربي الصهيوني هناك تفرقة يوجبها العقل والمنطق كما توجبها الأمانة مع الإنسان العربي المسكين، وهي التفرقة بين «المبدأ» و«البرنامج»، فالمبدأ لا يقبل المساومة والبرنامج يقبل المرحلية وترتيب الأولويات.
وبالتالي فإن الخلاف على البرنامج أو الطريق الذي يمكن سلوكه لنصرة المبدأ: التوقيتات، البدائل، المراحل، لا يبيح لأحد اتهام نوايا الآخرين ووصمهم بخيانة المبدأ وإلا أصبحت البرامج ووجهات النظر والاجتهادات مقدسة، وهو سيبدأ في النقاشات المتصلة بالصراع العربي الصهيوني ثم لا يلبث أن ينتقل إلى قضايا أخرى ويصبح العالم العربي أسير أقليات عالية الصوت ترفع شعار «الآن وهنا» وتمارس الترهيب على خصومها في الرأي، ومن يحصي كم الشتائم وتهم التخوين التي أنتجتها آلة الإعلام العربي خلال أيام يمكنه تصور المستقبل الذي ينتظرنا.
ولأن المعايير مختلة فإن الشارع العربي يبدو في حالة محزنة، ليس فقط لأن ما تتعرض له لبنان من هجوم هو وحشي بدرجة رهيبة، بل لأن الناس في الشارع العربي لا يعرفون بشكل واضح هل هم بصدد انتصار يجب أن يجعل معنوياتهم ترتفع أم هزيمة تضاف إلى سجل هزائم يحاولون نسيانها؟
فأحياناً تجد اللغة مزهوة بأن في العالم العربي من يستطيع إيلام الكيان الصهيوني وأحياناً تجد لغة حزينة مكسورة بسبب انعدام التكافؤ بين الطرفين وفداحة الثمن الذي يدفعه اللبنانيون. وفي كل الأحوال فإن خطراً كبيراً يحيق بنا في «الوطن» وفي «ميدان الحرب»!
كاتب مصري