شكلت سلسلة التجارب الصاروخية الكورية الشمالية خوفاً وقلقاً أثار ردود فعل إقليمية ودولية حيال هذه التجارب الصاروخية بدءاً من العام 1993 (صاروخ رودونغ 1) وحتى آخر تجربة لها في يوليو 2006 (سبعة صواريخ بينها واحد من طراز تايبودونغ 2) وقد استقرت هذه الصواريخ في أعماق بحر اليابان مسببةً الرعب والذعر في نفوس بعض الدول الآسيوية المتاخمة لحدودها الجغرافية، الأمر الذي استدعى قيام بعض الدول بالمطالبة بتحرك دولي إزاء هذا التهديد النووي القادم من بيونغ يانغ.
وفي ظل هذا الجو من الاستنفار السياسي والأمني قامت اليابان بمناشدة مجلس الأمن الدولي لتقديم طلب رسمي للتحرك الفوري والسريع من أجل ردع كوريا الشمالية وذلك بفرض عقوباتٍ من العيار الثقيل عليها.
ويأتي هذا القلق الياباني إزاء التجربة الكورية الأخيرة نتيجة تأجج المخاوف اليابانية حيال امتلاك كوريا الشمالية لصواريخ نووية يمكن أن تستخدم في حال نجاح إطلاقها مستقبلاً في حمل رؤوس نووية هجومية.
وقد أدانت الولايات المتحدة الأميركية هذه التجربة العسكرية واعتبرتها انتهاكاً واضحاً للاتفاقات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وما يريب الولايات المتحدة في هذه الصواريخ السبعة التي أطلقتها بيونغ يانغ أن أحدها يصل مداه إلى عدة آلاف من الكيلومترات، الأمر الذي يمده بالقدرة الكافية على أن يصل إلى الأراضي الأميركية «نظرياً».
ما الذي يجعل الولايات المتحدة تفكر ملياً في مسألة تهديد أمنها القومي. كما أن المفارقة تكمن في أن الولايات المتحدة الأميركية تصب جل همها وطاقتها في محاولات منع التهديد الحقيقي لها (على حد تعبير الولايات المتحدة) المتمثل في امتلاك جمهورية إيران التقنية النووية التي من الممكن أن تحولها إيران إلى سلاحٍ نووي عسكري.
وبالرغم من الفارق الجغرافي الشاسع بين الأراضي الأميركية والإيرانية، إلا أن أميركا لم تتحرك بشكلٍ مساو تجاه الأزمة النووية الكورية (كما تفعل مع إيران) فكوريا النووية تعد التهديد الأقرب خطراً لها فالصاروخ الذي يستطيع الولوج إلى الأراضي الأميركية كما تزعم بيونغ يانغ صراحةً قابل لحمل رؤوسٍ نووية.
فطريقة التعامل الأميركية مع الأزمتين النوويتين الكورية والإيرانية مختلفة تماماً، حيث تتبع خياراً دبلوماسياً هناك وآخر عسكرياً هنا لحل الأزمتين.
وينجم هذا الاختلاف في التعامل عن تغير القراءة السياسية الأميركية لكلٍ من الأزمتين فبالرغم من إقدام كوريا الشمالية على تحدي الولايات المتحدة وإطلاق تجربة الصواريخ وهو بالطبع بمثابة خطوة خطرة واستفزازية قد تنجم عنها نتائج خطيرة في حسابات الإدارة الأميركية، إلا أنها تفضل انتهاج الطرق الدبلوماسية والسياسة الهادئة كحل أمام تعقيدات مثل هذه الأزمة على عكس الملف النووي الإيراني الذي ترى فيه الولايات المتحدة خطراً محدقاً بها وبمصالحها.
وتحاول كل من روسيا والصين جعل الموقف الياباني الحاد والصارم تجاه تجربة الصواريخ الكورية أكثر مرونة في مسألة التعامل مع هذه الأزمة النووية، فاليابان تجزم أن التجارب الصاروخية تشكل تهديداً خطيراً لأمنها القومي.
وبالتالي أججت الترسانة النووية الكورية الشمالية مشاعر الخوف والقلق الياباني خصوصاً والقلق الدولي عموماً.
فاليابان لم تفهم من التجارب الصاروخية إلا أنها رسالة سياسية حادة وخطر حقيقي بات يضع الأراضي اليابانية في مرماه.
ترغب أميركا في أن تطلب من العملاق الآسيوي (الصين) أن يزيد من جرعة الضغط على كوريا الشمالية أملاً في التخلي عن برنامج تسلحها النووي. لكن كما هو معروف في عالم السياسة لا وجود للمحاباة وللصحبة والصداقة التي تمتد بين الدول وتستمر لأبد الآبدين بل تسود سياسة المصالح بصورة كبيرة بين الدول، وأصبحت في هذا الزمن هي المسير الحقيقي والفعلي لدفة سفينة العلاقات السياسية الدولية.
فالصين على سبيل المثال كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية عدواً لدوداً يمثل خطراً شيوعياً لها في مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي آنذاك، وها هي اليوم ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وتجارية استطاعت نوعاً ما أن تقرب بين المتخاصمين، فلا وجود بشكلٍ دائم للصداقة والعداوة في عالم سياسة بين الدول فعدو الأمس قد يصبح صديق اليوم أو حليف المستقبل.
إضافةً إلى ما سبق فإن الدول الآسيوية لا تؤيد استخدام الخيار العسكري مع أزمة بيونغ يانغ النووية (إن حدثت)، وذلك توجساً من أي رد فعل عسكري مصحوب بتكتيكات نووية تعود بالدمار على المنطقة بأسرها.
إن الصين تدرك تماماً أن كوريا الشمالية لها القدرة على الرد عسكرياً تجاه أي تحرك يحمل في طياته استفزازاً تجاهها، وذلك تتبنى دعوة ضبط النفس والتخلي عن كل ما يدعو إلى التصلب والتشدد في مسألة التعامل مع النزاع الدائر حول تجربة الصواريخ السبعة لكوريا الشمالية ضمن الأزمة النووية الكورية الشمالية، والتوجه بالمقابل نحو تبني موقف دبلوماسي هادئ في سبيل الحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.
وتنوي الصين اقتراح أفضل سبيل من أجل الخروج من هذا التأزم وهو إقامة حوار مباشر بين واشنطن وبيونغ يانغ للتوصل إلى تسوية سلمية بين الطرفين.
وكنوع من العقاب قررت اليابان قطع المعونات الغذائية والمساعدات الإنسانية التي تقدمها لبيونغ يانغ، وعلى حد تصريح أحد المسؤولين اليابانيين فإن اليابان تفكر بفرض عقوبات مختلفة ومتنوعة على كوريا الشمالية. وحريٌ بنا القول إن كوريا تعاني من حالة اقتصادية صعبة وإذا ما انقطعت المعونات الخارجية المرسلة إليها فإن هذا نذير شؤم بتدهور الاقتصاد الكوري الشمالي إلى مستوياتٍ خطيرة.
ومن شأن هذا التصعيد الخطير للأزمة أن يميط اللثام عن علاقات أكثر توتراً بين البلدين في المستقبل، وذلك لأن قيام كوريا الشمالية بهذه التجارب العسكرية بالنسبة لليابان لا يفهم مغزاها إلا كرسالة تهديد موجهة لها تسكب الزيت على النار، وتصعد من جهةٍ أخرى مسألة برنامج التسلح النووي الخاص بها. وعليه فإن مستقبل العلاقات بين البلدين سيكون على صفيح ساخن ومتوتر إلى درجة كبيرة.
وفي أعقاب التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية باتت المحادثات عالية المستوى بين الكوريتين (الشمالية والجنوبية) تلفظ أنفاسها، وذلك نتيجة استياء الجارة الجنوبية واستنكارها لما أقدمت عليه الجارة الشمالية. وقد ترجمت كوريا الجنوبية على لسان وزير خارجيتها هذا الاستياء بأن نددت بهذه التجربة الصاروخية التي من شأنها أن تضعف جهود الوصول إلى اتفاق بين الجارتين الكوريتين.
وعليه يمكننا القول إن هذا النوع من التصعيد السياسي للأزمة سيزيد من حدة توترها وسيؤدي إلى الانتقال إلى مستوياتٍ أخطر مما هي عليه الآن وقد ينجم عن ذلك انقطاع قنوات الاتصال التي يتم إجراء المحادثات فيها بين البلدين.
و أما بالنسبة للطريقة التي سوف تقوم الولايات المتحدة باستخدامها في التعامل مع الأزمة النووية الكورية، فهنالك اعتقاد أميركي بعدم نجاح طرح الخيار العسكري وسيكون مستبعداً إلى درجة كبيرة وذلك لأن واشنطن تدرك أن الحل العسكري لا ينفع للتعامل مع بيويغ يانغ وهو غير متاح بالنسبة لها في هذه المرحلة بسبب عدة عوامل أساسية منها الولوج الأميركي في مستنقع العراق.
ونظراً لهذه العوامل التي تسبب الضغط على أميركا بشكلٍ لا يعطيها القدرة اللازمة على فتح جبهة عسكرية جديدة في أي منطقة أخرى فإن الولايات المتحدة ارتأت أن تضغط على الدول المجاورة لكوريا الشمالية، وذلك محاولةً منها لثني كوريا الشمالية عن استخدام نواياها النووية الخاصة بها.
و يقول الكاتب جون ولفستال في مقال بعنوان: (البرنامج النووي لبيونغ يانغ - عالم الاستخبارات المجهول) «إن كوريا الشمالية تعتبر بمثابة عالم مجهول بالنسبة للاستخبارات، ونادراً ما يخرج من هذا البلد الذي يعيش بمعزل عن الدنيا أي شيء يمكن الاعتماد عليه».
فالنظام السياسي لكوريا الشمالية ينتهج السرية والعزلة في تسيير شؤونه. ونتيجة لهذا النهج وجدت الأطراف الدولية الخارجية صعوبة في أن تستشف نوايا الدولة الكورية الشمالية ومخططاتها التي غلب عليها الضباب والغموض. وعليه يستعصي على الآخر فهم تحركات النظام السياسي (الستاليني) للدولة الشيوعية، مما يجعلها في نظر الخارج مثاراً للجدل وموضع شك وتخوف. فلا مجال للتعامل معها إلا من زاوية المسار الدبلوماسي خشية أي رد فعل سلبي منها.
جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com
