أياً كانت طبيعة قرار التوقيت، بمكوناته وعناصره وبالطبع ضمن هذه الأخيرة حسابات الربح والخسارة على الصعيد الوطني من منظور منطق المقاومة، توقيت إيقاظ الجبهة بقوة من خلال العملية النوعية في خطف الجنديين الإسرائيليين والتحول من استراتيجية الردع تحت سقف الحفاظ على الوضع القائم ولو مع بعض المناوشات العسكرية المحدودة والتوترات، إلى استراتيجية تحريك الوضع، فإن إسرائيل وجدت حجتها الجديدة للعمل على إسقاط قواعد اللعبة القائمة مع لبنان منذ التحرير.

إسرائيل تريد إحداث حالة من الفوضى يغرق فيها لبنان المجتمع وتحويله إلى «دولة فاشلة» وإعادته «ثلاثين سنة إلى الوراء» سياسية واقتصادا واجتماعاً كما نقلت الصحف الإسرائيلية عن مسؤول «استراتيجي» إسرائيلي.

أسبوع من حرب التدمير المنهجي ضد لبنان يسمح بإبداء الملاحظات التالية:

أولاً: حملت الحرب المفتوحة المتصاعدة مفاجأة مزدوجة: حول حجم الهجوم الإسرائيلي ومداه بالنسبة للمقاومة، وحول القوة النارية ونوعية الترسانة الصاروخية لحزب الله بالنسبة لإسرائيل.

ثانياً: خلقت عملية المقاومة تلازما بين المسارين الفلسطيني واللبناني، المسارين القتاليين، ودعما للموقف التفاوضي الفلسطيني حول الأسرى من جهة وخطفا للأضواء من ذلك الموقف وتفاعلاته من جهة أخرى، تلازماً خلق نوعاً من الترابط العملاني والتداخل السياسي الدبلوماسي والتماهي «العقائدي» أيا كانت محاولات ادعاء عكس ذلك بين المسارين.

ثالثاً: انتقل التركيز الدولي من الأزمة المتصاعدة على الخط الدبلوماسي إلى الأزمة المتفجرة على الخط العسكري. انتقل أو نقل بنجاح من الخليج، مع الملف النووي الإيراني ودفعه إلى مجلس الأمن في المواجهة الدبلوماسية الغربية الإيرانية المباشرة، إلى شاطئ المتوسط مع انفجار الصراع العربي الإسرائيلي على مساريه الفلسطيني ثم الأخطر اللبناني وبرعاية ودور إيراني جديد مباشر وناشط وداعم للحالتين الثوريتين القتاليتين الفلسطينية واللبنانية، وإلى مواجهة بالواسطة رغم وفرة استقلالية عناصر التفجير في الحالة المشار إليها خاصة في شقها الفلسطيني، إلا أنه لا يمكن عزل هذه الحالة في ظل اشتداد المواجهة الاستراتيجية حول المنطقة وترابط أزماتها، وفي ظل تمدد وتعزز خط النفوذ الاستراتيجي والتحالفي لإيران من بغداد إلى غزة، لا يمكن عزل إدارة هذه الحالة عن تداعيات وضغوطات وسياقات هذه المواجهة.

رابعاً: رغم الانتقاد الدولي ولو بدرجات مختلفة للرد العسكري الإسرائيلي «غير المتكافئ»، فإن الوضع الدولي تعامل وبشكل واسع وشبه إجماعي مع مسببات الحرب الدائرة، وكأنها نزاع كلاسيكي عبر الحدود بين دولتين إحداهما مسؤولة قانونياً، ولو غير مسؤولة فعلياً عن انفجاره باعتبارها مصدر فتيل التفجير، ولم يجر التعامل كما كان في الماضي مع الوضع كعملية مقاومة على أرض محتلة، بما لذلك من تداعيات في صياغة الموقف الدولي الذي قد يريد بعض عناصره إيجاد هذا التبرير لشرعنة موقفه الجديد أو المتجدد، فيما يذهب البعض الآخر في هذا الاتجاه الجديد بسبب الطبيعة المختلفة من المنظور الدولي لانفجار الحرب هذه المرة.

خامساً: تريد إسرائيل من حربها هذه تحصيل فاتورة متأخرة ذكرتها بها فاتورة أخيرة تتعلق بنتائج السياسة الأحادية التي بدأت بالانسحاب من لبنان ثم من غزة، وعشية التحضير للانسحاب من الضفة الغربية وإقامة السلم الإسرائيلي المفروض. الانتقادات المتزايدة لهذه السياسة من مواقع متناقضة وأهداف متضاربة، كانت أساسية وراء قرار الحكومة الإسرائيلية صاحبة العنوان الأحادي ووريثته من شارون لمحاولة تسوية تداعيات سياستها الأحادية الماضية.

إذا كانت الأولوية المطلقة حالياً لوقف العدوان ووقف التدمير المنهجي للبنان، فلابد من التذكير بأن كل مرحلة في الحروب اللبنانية الإسرائيلية كانت تنتهي من خلال استقرار قواعد جديدة لإدارة اللعبة. فما هي القواعد التي يجب أن يدفع باتجاهها لبنان أخذاً بعين الاعتبار أن الموضوع ليس الحق أو الباطل بالمطلق في الصراع الشامل مع إسرائيل الذي لبنان جزء منه ولا يجوز أن يحمل مسؤولياته وحده أو بشكل أساسي، وضمن مفهوم الممكن وغير الممكن وعلى أساس منطق الدولة وليس بالطبع منطق الثورة.

مسؤولية الدولة تكمن أساساً في حماية أمنها الوطني ومناعته المجتمعية كهدفين أخلاقيين واستراتيجيين. إذاً لم يعد من الممكن العودة إلى الوضع الذي كان سائداً عشية هذه الحرب باعتبار أن وقف العدوان يستدعي معالجة مسبباته وتداعياته، فإنه أيضاً من غير الممكن للبنان القبول بالبقاء تحت رحمة حالة الحرب المفتوحة ذات الوتيرة المرتفعة حيناً والمنخفضة أحياناً والمستفزة كلياً للدولة وللمجتمع، هذا المشهد سيكون نتاج وقف إطلاق نار هش هو نوع من استراحة المحارب تنهك لبنان إن لم تقض عليه تدريجياً.

إن تثبيت وقف إطلاق النار يجب أن يتأسس على قواعد مستقرة وضمانات دولية والتزامات واضحة بين أطراف الصراع. نتساءل هل يمكن التوصل إلى تفاهم جديد، تفاهم يوليو أو أغسطس، ونحن على عتبة استحقاق تجديد مهام قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان وفي ظل تحركات ومبادرات دولية وأممية وعربية للخروج من الحرب الراهنة؟ المطلوب وبكل صراحة أن تكون للدولة رؤيتها وقرارها في هذا المجال، وهو حق طبيعي لكل دولة وواجب عليها، لا أن تكون الدولة وسيطاً دبلوماسياً بين قرار للمقاومة ومواقف دولية وإسرائيلية.

لابد أن تكون المقاومة جزءاً داعماً ومعززاً لقرار الدولة، المسؤولة الوحيدة عن الحرب والسلم، ضمن مفهوم حزمة حل تقوم أساساً وقبل أي شيء على وقف إطلاق النار وفك الحصار عن لبنان وبعدها تبادل الأسرى بواسطة الدولة وتعزيز خط الفصل، الخط الأزرق بواسطة قوات الأمم المتحدة، قوات مراقبة وضمانة وفصل ومواكبة لاحترام هذا الخط الأزرق.

المطلوب كجزء من هذه الحزمة أن تبسط الدولة اللبنانية سلطتها العسكرية، وهذا أبسط مسؤولياتها، إلى الحدود الوطنية إذ لا يجوز أن يبقى الوصول إلى الخط الأزرق خطاً أحمر عند البعض تحت عناوين مختلفة، أياً كنت مشروعيتها العقائدية. في حزمة الأفكار هذه تبقى المقاومة وسلاحها قوة ردع احتياطي للجيش الوطني تقوم بدورها الردعي في إطار قرار للدولة إذا استدعى الأمر.

من واجب لبنان كدولة ومن حقه كوطن أن يتمسك بالهدنة على حدوده إلى حين تحقيق التسوية الشاملة والعادلة والدائمة للصراع العربي الإسرائيلي، من خلال استراتيجية عربية مشتركة.

كاتب لبناني